يستقبلونه ببشريات العودة وعبق التقاليد…
السودانيون فى رمضان .. (نفس العادات والطيبة )
.. رمضان الثاني في الحرب يعود بامل العودة وتباشير الانتصارات
المساجد تتزين.. ترقب للتراويح ..وصوت الشيخ الزين يصدح في امدرمان
الأسواق تستعيد زحامها.. وروائح رمضان تفوح في الأجواء
من الصيام إلى السهر.. السودانيون بين التراويح والدراما الرمضانية
الشاشات تستعيد وهجها.. “البلد” تعود و”النيل الأزرق” في الانتظار
رائحة التوابل وازدحام الأسواق.. رمضان يعيد الحياة للمدن السودانية
رمضان هذا العام.. احتفاء بالحياة بعد عامين من الغياب
الكرامة :رحمة عبدالمنعم
يستعد السودانيون لاستقبال شهر رمضان هذا العام وسط تحولات كبيرة، حيث يحل رمضان الثاني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لكنه يأتي هذه المرة وقد عاد كثيرون إلى منازلهم مع تقدم الجيش في مختلف محاور القتال ضد المليشيا، وبينما كانت الأجواء الرمضانية في العامين الماضيين يغلب عليها النزوح والاضطراب، تعود الآن روح الشهر الكريم إلى المدن والأسواق والمساجد، في مشهد يعكس إرادة السودانيين على التمسك بتقاليدهم رغم كل الظروف
الروح السودانية
يحلّ شهر رمضان هذا العام على السودان وكأنه يحمل معه نسائم من زمنٍ مضى، زمنٍ لم يكن فيه صوت المدافع يطغى على صوت الأذان، ولم تكن المدن تئن من آثار الدمار.،يأتي الشهر الفضيل، وقد تبدلت الوجوه وتغيرت الأماكن، لكن الروح السودانية تظل كما هي، تعاند المحن، وتتشبث بالحياة كأنها تصرّ على ألا تنطفئ شعلة الفرح فيها مهما اشتدت العواصف.
في رمضان العام الماضي، كانت شوارع الخرطوم ومدن أخرى صامتة، غاب عنها ضجيج الأسواق وازدحام الطرقات قبل الإفطار، وانطفأت أنوار المساجد التي كانت تمتلئ بالمصلين، ولم يعد الناس يتبادلون أطباق الطعام كما اعتادوا، فقد مزقت الحرب أواصر القربى وفرّقت الأحباب. كان رمضان الصبر، والوجع، والانتظار.
أما اليوم، ومع اقتراب هلال رمضان، تبدو الصورة مختلفة، فقد عاد كثير من النازحين إلى ديارهم، وإن كانت مهدمة، عادوا ليجمعوا ما تبقى من ذكرياتهم، وليعيدوا ترتيب تفاصيل حياتهم التي بعثرتها الحرب، عادت البيوت لتشع بضوء المصابيح التي تنيرها قبيل المغرب، وعادت روائح “الحلو مر” تعبق في الأجواء، كأنها تعلن أن السودان، رغم كل شيء، لا يزال يحتفي برمضان، لا يزال يحفظ عاداته وطقوسه كما لو أن الحرب لم تمرّ يوماً من هنا.
صخب العودة
في بورتسودان، عطبرة، القضارف، وأم درمان، تموج الأسواق بالحركة، في مشهد يذكّر بزمنٍ قبل الحرب، حيث كانت هذه المدن تضج بالحياة مع اقتراب رمضان، وكان الناس يخرجون منذ الصباح يتسابقون في شراء مستلزمات الشهر الكريم، بين أكياس التوابل، وأواني الطهي الجديدة، وصفوف الخبز الطويلة، التي كانت رغم مشقتها تحمل طعم الانتظار المشترك والفرح الخفي.
يقف الباعة على نواصي الطرق، ينادون على بضائعهم بصوتٍ يختلط مع الضحكات العابرة والمساومات التي لا تخلو من خفة الدم السودانية المعتادة. هنا امرأة تشتري كميات من “الكركدي” و”التمر الهندي”، وهناك رجل يبحث عن أفضل أنواع البلح ليكون أول ما يفطر عليه عند أذان المغرب. وعلى أطراف السوق، تجلس نساءٌ يقمن بإعداد “الأبري”، ذلك المشروب الرمضاني الذي لا تكتمل المائدة السودانية بدونه، يحرّكنه بأيديهن المغمورة بالدقيق، كأنهن يصنعن الزمن نفسه، يعجنّ الماضي بالحاضر ليخرج عصيرًا بنكهة الذكريات.
أما الأطفال، فيهرولون بين الأزقة، يحملون أكياس الالعاب الورقية التي لم تفقد بريقها، يلوّحون بها في الهواء، ويغنون أغنيات رمضان القديمة، كأنهم يريدون أن يعيدوا الزمن إلى الوراء، إلى ذلك الوقت الذي كان فيه رمضان يعني لهم الحلوى واللعب والسهر حتى وقت السحور.
صوت التراويح
في الأحياء التي استعادت شيئاً من نبضها، تتزين المساجد لاستقبال روادها من جديد، تُنظف ساحاتها، وتُفرش السجادات على أرضياتها، وتُرفع مكبرات الصوت لتصدح بآيات القرآن، كأنها تعلن عودة الروح إلى المكان، كان العام الماضي قد شهد غياباً مؤلماً لصلاة التراويح في كثير من المدن، حيث تحولت المساجد إلى أماكن مهجورة، أو ملجأ للعابرين الذين لا يجدون مأوى، لكن اليوم، مع حلول رمضان، تعود هذه البيوت الطاهرة لتحتضن المصلين، وتعيد إليهم لحظات الخشوع التي افتقدوها.
وفي الخرطوم، حيث كان الصمت يخيم على المآذن، ينتظر الناس بفرحٍ غامر عودة الشيخ الزين محمد أحمد، ذلك الصوت الذي ارتبط برمضان في وجدان السودانيين، والذي لطالما ملأ لياليهم بالسكينة والخشوع ،يتحدث الناس عن المكان الذي سيؤم فيه صلاة التراويح هذا العام، وكأنهم يتحدثون عن عودة شخص عزيز غاب طويلًا، فكان فقده جزءاً من فقدان المدينة نفسها.
أما الساحات العامة، فتبدأ في استعادة مشاهدها القديمة، حيث تنتشر موائد الإفطار الجماعي، ويتسابق السودانيون في تقديم التمر والماء للمارة عند وقت الأذان، في واحدة من العادات التي لم تستطع الحرب أن تمحوها، بل ربما جعلتها أكثر عمقاً، وأكثر صدقاً، فقد عرف الناس في عامي الحرب معنى الجوع، ومعنى أن تقدم لقمةً لإنسان قد لا تراه مرة أخرى.
السهرات الرمضانية
في ليالي رمضان، حين ينتهي الصيام، ويتفرق الناس بين العبادة والسهر، تعود الشاشات السودانية لتأخذ مكانها في المشهد الرمضاني، حيث تنتظر العائلات برامجها المعتادة، التي غابت عن بعضها العام الماضي بسبب انقطاع البث أو توقف الإنتاج.
تعود قناة “البلد” إلى الواجهة، تقدم سهراتها وبرامجها التي يحاول السودانيون من خلالها استعادة روح رمضان كما عرفوها، فيما لا يزال الجميع يترقب عودة “النيل الأزرق”، التي كانت على مدى سنوات نافذتهم إلى أمسيات رمضان المميزة ،أما “أغاني وأغاني”، ذلك البرنامج الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من ليالي رمضان، سيغيب للعام الثاني على التوالي ، البرنامج الذي يفتح بابًا على ذكريات الفن السوداني، ويعيد إلى الأذهان تلك الجلسات التي كانت تُعقد حول التلفاز، حيث يتبادل الحاضرون التعليقات، ويستعيدون ذكريات أغنيات حملت جزءا ًمن أعمارهم معها.
وفي ظل شغف السودانيين بالدراما المصرية، يتجه الكثيرون إلى متابعة مسلسلات نجومهم المفضلين، مثل محمد رمضان، عمر سعد، وأحمد العوضي، حيث تظل الدراما المصرية حاضرة في بيوت السودانيين، تسرق منهم لحظات من الواقع، وتأخذهم إلى عوالم أخرى، ربما يجدون فيها بعض الراحة من ثقل الأيام.
حلم المستقبل
رمضان في السودان هذا العام ليس مجرد شهرٍ للصيام والعبادة، بل هو أيضاً علامة على أن الزمن لم يتوقف، وأن الحياة، رغم كل ما مرت به، لا تزال قادرة على أن تنبض من جديد، بين الأسواق التي استعادت ضجيجها، والمساجد التي فتحت أبوابها، والشاشات التي عادت لتجمع العائلات، يبدو السودان وكأنه يحاول أن يلملم شتاته، أن يستعيد رمضانه كما كان، ولو بشيءٍ من الشوق والحنين.
وعلى موائد الإفطار، حين يجلس السودانيون ليتقاسموا ما تيسر من الطعام، وحين تمتد الأيادي لتقدم التمر والماء، يدرك الجميع أن رمضان ليس فقط شهر الصيام، بل هو شهر العودة، شهر التراحم، شهر الأمل الذي لا يُطفئه ليل الحرب الطويل.






