سودان السيادة في زمن العقاب.. لأعلى سعر: السياسة الأميركية في المزاد (2)

*كبسولة وعي*

سودان السيادة في زمن العقاب

لأعلى سعر: السياسة الأميركية في المزاد (2)

واشنطن استخدمت العقوبات لإعادة ضبط موقع السودان ضمن خارطة التبعية..

لا يُعتد بأي اتهام باستخدام الأسلحة الكيميائية ما لم يصدر عن جهة فنية دولية…

من يحتكر حق الاتهام، ومن يُعفى من المحاسبة حين تُرتكب الانتهاكات باسم التحالفات؟!!

حين يصمت العالم عن تهريب السلاح، ويتجاهل القصف الممنهج للمدن؟!!

*بقلم صباح المكى*
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، استخدمت الولايات المتحدة العقوبات كأداة لإعادة ضبط موقع السودان ضمن خارطة التبعية، مغلّفةً بشعارات قانونية وانتقائية تُخفي أهدافًا جيوسياسية صلبة. واليوم، مع تصاعد المشروع الوطني المستقل، تعود واشنطن بلغة أكثر فجاجة: تُعيد تعريف العدالة بوصفها امتثالًا، وتُجرّم كل من يرفض الاصطفاف داخل محورها.

في الجزء الأول، تناولنا الخلفية التاريخية للعقوبات والاتهامات الأميركية، مع تفكيك قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991 (CBW Act)، واستعرضنا كيف تحوّلت الأطر القانونية إلى أدوات ممنهجة لخنق القرار السيادي، تُدار ضمن منظومة ضغط لا تخلو من التسييس. أما في هذا الجزء، فنخوض في البعد الأخطر: كيف يُعاد توظيف القانون كغطاء ناعم للهيمنة، وكيف تتحوّل الاتهامات — كادعاء استخدام الأسلحة الكيميائية — إلى وسيلة لتجريم المقاومة ومنح الغطاء للعدوان. ففي لحظة تصاعد السيادة السودانية، وانكشاف الأدوار الإقليمية المتورطة في العدوان، اختارت واشنطن أن ترد بالعقوبات لا بالتحقيق، وبالتجريم لا بالمساءلة.

هنا، لا يُطرح السؤال حول الأدلة، بل حول من يحتكر حق الاتهام، ومن يُعفى من المحاسبة حين تُرتكب الانتهاكات باسم التحالفات. هذا الجزء يُسلّط الضوء على ما يمكن تسميته بـ *هندسة الانحياز في زمن الهيمنة*— حيث تُستدعى العقوبات لا من أجل العدالة، بل لحماية منظومة تُكافَأ فيها أدوات التبعية وتُجرَّم فيها إرادة الاستقلال والسيادة.

*أولًا: قانونيًا — اتهام بلا شرعية ولا مرجعية مؤسسية*

من الناحية القانونية، لا يُعتد بأي اتهام باستخدام الأسلحة الكيميائية ما لم يصدر عن جهة فنية دولية معترف بها، وعلى رأسها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي تُعد المرجعية الوحيدة المخوّلة بالتحقيق في مثل هذه الادعاءات.

وفي الحالة السودانية، لم يُقدَّم أي طلب رسمي للتحقيق، ولم تُوفد بعثة تقصّي حقائق، ولم تُجمع أدلة ميدانية أو عينات بيئية، ولم يصدر عن المنظمة أي تقرير فني يُثبت أو حتى يُلمّح بحدوث استخدام لتلك الأسلحة. وبناءً عليه، فإن المزاعم الأميركية تفتقر إلى أي أساس قانوني أو فني معترف به دوليًا، وتُعد من منظور القانون الدولي ادعاءات باطلة وغير مُلزِمة. بل إن القفز على المسار الفني المستقل، وتجاوز الآليات المعتمدة، يُحوّل هذا الاتهام إلى ورقة ضغط سياسي فاقدة للشرعية، ويضع الجهة التي أطلقته – لا الجهة المتّهمة – في موضع المساءلة الأخلاقية.
والسياسية.

*ثانيًا: سياسيًا – حين تُستدعى العقوبات لحماية الهيمنة*

من الزاوية السياسية، لا يمكن فصل الاتهام الأميركي الموجَّه للسودان عن نمط أوسع من توظيف القانون كأداة لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي. لم يُبْنَ على تحقيق دولي أو وقائع موثّقة، بل جاء في توقيت بالغ الدلالة: لحظة استعادة الجيش زمام المبادرة ميدانيًا، وتماسك الوعي الوطني خلف مؤسسات الدولة، ورفض الخرطوم الانخراط في محاور الوصاية.

في الوقت ذاته، كان نظام أبوظبي يُبرم صفقة استراتيجية ضخمة مع الولايات المتحدة— بقيمة 1.4 تريليون دولار — تشمل الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي، بينما تُثار في الكونغرس اتهامات صريحة بتورط الإمارات في دعم ميليشيا الدعم السريع وشنّ عمليات عسكرية داخل السودان، منها القصف الجوي على مدينة بورتسودان.

الاتهام لم يكن خطوة قانونية مستقلة، بل أداة سياسية لتحويل الأنظار عن الطرف المتورط، وتجريم الدولة التي تدافع عن نفسها. وقد تُرجم إلى عقوبات شاملة شملت حظر الصادرات، وتجميد الأصول، وحرمان السودان من التمويل، وتصنيفه بموجب القانون الأمريكي(CBW Act 1991) كمنتهك لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية — تصنيف يُستخدم نادرًا وغالبًا في سياقات انتقائية وعقابية.

ومن المفارقات الصارخة، أن إدارة ترامب نفسها كانت قد أزالت سوريا من دائرة الاستهداف، رغم أن رئيسها كان موضوعًا على قوائم المطلوبين مع مكافأة قدرها 10 ملايين دولار، وذلك بعد وساطة سعودية وتركية وصفقات استثمارية كبرى — في مشهد يكشف عمق التسيس والانفصال التام بين القانون والمصالح.

بالتوازي، جرى إطلاق حملة لعزل السودان دبلوماسيًا وتشويه صورته، بتصويره كدولة “مارقة” بدل الاعتراف بكونه ضحية عدوان خارجي. وهنا، لم تكن العقوبات استجابة قانونية، بل محاولة لإنقاذ مشروع الهيمنة من الانهيار بعد فشل الضغوط الإعلامية والدبلوماسية، وحتى المحاولات العسكرية، في زعزعة المؤسسة العسكرية السودانية.
ولا يمكن إغفال توقيت العقوبات، الذي جاء بعد تحرك السودان في الساحة القانونية — كما سنوضح لاحقًا.

*هندسة الانحياز في زمن الهيمنة: حين تُجرَّم السيادة وتُكافأ التبعية*

في هذا المشهد، تفقد العقوبات مضمونها الحقوقي، وتُفهم بوصفها أداة ثأر سياسي ضد دولة اختارت السيادة ورفضت الخضوع، فأربكت حسابات الهيمنة. فنظام أبوظبي، رغم تورطه العلني في تمويل وتسليح ميليشيا الدعم السريع وشنّ عمليات عسكرية مباشرة، لا يُعاقَب بل يُكافَأ، وتُغضّ الأبصار عن جرائمه. إنه ليس صاحب قرار سيادي، بل أداة تنفيذية تمارس ما لا يجرؤ الكبار على المجاهرة به — المخلب الوظيفي القذر في مشروع الهيمنة، والبقرة الحلوب التي تموّل، وتزوّد بالسلاح، وتُشعل الحروب، ثم تُمنح الغطاء السياسي والصفقات الاستراتيجية.

لقد أُعيدت صياغة جوهر الصراع ليُقدَّم للعالم كصدام داخلي بين أطراف متكافئة، بينما يُطمس الطابع الهجومي للميليشيا، وتُخفى جرائم الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بغطاء كامل من نظام أبوظبي. ويتحوّل الاتهام الأميركي إلى أداة هندسة جيوسياسية بامتياز: لا تهدف إلى تحقيق العدالة، بل إلى طمس معالم الجريمة الأصلية، عبر إغلاق ملف نظام أبوظبي وفتح ملف السودان، وتثبيت سردية مغلوطة تُشرعن إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة وفق منطق “الشرق الأوسط الجديد” — حيث تُقاس الشرعية لا بمدى التزام الشعوب بالقانون، بل بمدى خضوعها للهيمنة.

وحين يصمت العالم عن تهريب السلاح، ويتجاهل القصف الممنهج للمدن، ثم يُدين من ينهض بالمقاومة — فإن العدالة لا تُختطف فحسب، بل تُسخَّر كستار مخملي يُخفي أبشع مشروعات السيطرة. فكل خارطة تُرسم باسم “الانتقال الديمقراطي” بأدوات مفروضة، لا تُنتج سوى دولة بلا سيادة، وجيشًا مكبَّلًا، ومجتمعًا يُعاد تشكيله على مقاس الوصاية. من ينصاع يُدمج، ومن يرفض يُقصى ويُعاقب.

ويبدو أن هذه الإجراءات جاءت أيضًا لمعاقبة السودان على لجوئه إلى القانون الدولي، برفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد نظام أبوظبي، بتهم تمويل الحرب، وارتكاب الإبادة الجماعية، وتهريب السلاح، والاعتداء العسكري. لقد كانت خطوة جريئة وغير مسبوقة كسرت عنجهية النظام، وفضحت زيف ادعاءاته، وأزالت عنه ورقة التوت التي طالما تستّر بها. خطوة كسرت احتكار السردية الإقليمية، وعرّت التناقضات البنيوية لخطابه، وكشفت أمام العالم عورته السياسية، ودوره الحقيقي كوكيل وظيفي يقود حربًا بالوكالة ضد سيادة السودان.

أما السودان، فلم يُعاقَب لأنه خرق القانون أو استخدم سلاحًا محظورًا، بل لأنه تمسّك بحقه السيادي، ورفض الانحناء أمام مشروع وصاية متعدد الأطراف. وهنا يتجلى جوهر التناقض: حين تتحول المحاكم إلى أدوات، ويُدار القانون من العواصم لا من ساحات الإنصاف. فيُدان من يدافع عن أرضه، ويُكافَأ من يرتكب الجريمة.

*وختامًا*، في هذا العالم المقلوب، لا يُدان المعتدي بل من يتصدى له. لا تُسأل الدول التي تموّل الحرب، بل تُعاقب الشعوب التي تقاوم الإخضاع. وبينما تُختطف العدالة من ساحات القانون إلى غرف الصفقات، يُعاد تعريف السيادة كجريمة، والتبعية كشرعية.

*والسؤال الحقيقي لا يُطرح على السودان، بل على من يدّعي تمثيل العدالة:*

● كيف يُدان من لم يُمنح حق الدفاع، ولم تُفتح له سُبل التحقيق؟
● كيف يُكافأ من موّل الجريمة، ويُحاكم من تصدّى لها؟
● كيف لمن تلطخت يداه بالعدوان أن ينطق بلسان القانون؟

ليست هذه أزمة قانون… بل انهيار أخلاقي شامل، تتدثّر فيه الهيمنة بلغة الإنصاف، وتُغلف الجريمة بشرعية دولية زائفة.

*وفي زمن شريعة الغاب، لا خيار للشعوب الحرة سوى أن تتولى أمرها، وتكتب روايتها بيدها لا بيد من زوّر وادّعى.*

*ما حكّ ظهرك مثل ظفرك، فتولَّ أنت جميع أمرك.*
و #بل_بس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top