خارج النص
يوسف عبدالمنان
العودة إلى البُورت
من أبغضِ الكتابةِ عندي الحديثُ عن الذاتِ ومشاغلِها وأتراحِها وأفراحِها، وكان الدكتورُ محمود قلندر يُحدّثُنا عن ضرورةِ النأيِ عن الذاتِ إلى الشأنِ العامِّ، وبيدَ أنّ الضرورةَ أحياناً تفرضُ على الكاتبِ الانصرافَ من الشأنِ العامِّ إلى الخاصِّ.
قبلَ أيامٍ، عُدتُ من بورتسودان، العاصمةِ الإداريةِ الجديدة، بعدَ أيامٍ طويلةٍ بالمعاني أمضيتُها هناك، وقصيرةٍ بمقياسِ الزمن، برفقةِ ابنتي التي أُجريت لها عمليةُ مناظيرٍ شديدةُ التعقيد، وكان يُمكنُ إجراءُ مثلِ هذه العمليةِ في أم درمان، ولكن الجنجويد، لعنةُ اللهِ عليهم في الدنيا والآخرة، قضت بنادقُهم على مستشفياتِ السودان، ونهبت الأجهزةَ المتطورةَ، ونُقلت خارجَ الحدودِ إلى دولٍ كنا نحسبها صديقة، قبلَ أن تكشفَ الحربُ ما تُضمره من حقدٍ دفينٍ على السودان، وهي من جعلتْ أرضَها سوقاً عالمياً لبيعِ المنهوبِ من السودان.
ومن حسناتِ الحربِ -إن كانتْ بها حسناتٌ- كما قال ابنُ سينا العالمُ الكبير، وهو يُعدِّدُها: “في هلاكِ الأشرارِ، واصطفاءِ الأخيارِ، والضربِ في الهجرةِ إلى أرضِ اللهِ الواسعة”، لكن بورتسودان كسبت أطباءَ أصحابَ تخصُّصاتٍ نادرةٍ، وأجهزةً حديثةً لعملياتِ المناظير، مثل الدكتور الإنسان سعد محمد علي، الذي أجرى عمليةَ المناظير لابنتي “مودَّة” في مستشفى دي ماس ببورتسودان ،ورغمَ التكاليفِ الباهظةِ للعملياتِ في مثلِ هذه المستشفيات، إلا أن العنايةَ الطبيةَ الفائقةَ قلّلتْ من مدةِ الإقامةِ في مدينةٍ هي الأغلى في أفريقيا الآن، خاصةً السكنَ في فنادقَ بلا كهرباءٍ وبلا ماءٍ.
وكانتْ أيامًا قاسيةً عشتُها في بورتسودان، بين هَمٍّ وجَزَعٍ ووَحشةٍ وغربةٍ، لم يُبددْها ويخففْ عني إلا زياراتُ الأصدقاءِ والإخوانِ في المستشفى، في مقدمتِهم ابنُ العم الفريق شمس الدين كباشي، والفريق الكريم محمد الغالي الأمينُ العامُّ لمجلسِ السيادة، وهو ينوب عن الرئيس البرهان ويسُدُّ له كثيراً من الفجواتِ الاجتماعية.
وشكّل الإخوانُ: المكِّي إسماعيل قادِم، وسعيد حبيب الله، ورجلُ الأعمال إبراهيم الكناني، وابنُ الشرق محمد إدريس الصحافيُّ الأنيق،وكان لحضور الإخوانِ أثراً عميقاً في النفس: حاج ماجد سوار، وعبد الماجد عبد الحميد، وهاشم العطار، ولكن أميرَ حَمَر منعم عبد القادر منعم منصور، فقد وضع ماساتِه الشخصيةَ ووالدَه مجهولَ المصير، وصحب عروستَه للمستشفى، وحمل ابنتي على يديه من غرفةِ العملية،وكذلك الأخُ الوفي عمر شيخ الدين، والأخ عبد العظيم، الشهير بـ”مرفعين كايقا”، ولم تنقطعْ مهاتفاتُ ابنِ عمي الدكتور حامد البشير من الولايات المتحدة، وكذلك الأخ عبد الله إبراهيم، وكيلُ المالية، والأخ بشارة سليمان، الذي تعددتْ زياراتُه للمستشفى، رغم مسؤولياتِه الكبيرةِ في قيادةِ حركةِ العدلِ والمساواة.
ووقفتْ إلى جانبي الأختُ “أم النصر”، الصحفيةُ المثابرةُ، وابنةُ الجزيرة، وكذلك الدكتورة شذى عثمان عمر الشريف، التي تُؤهلُها مواقفُها وتاريخُها لمنصبِ الوزيرِ في حكومةِ كامل إدريس،والأيامُ الثلاثةُ في مستشفى دي ماس شهدتْ أكبرَ حضورٍ لأبناءِ جبالِ النوبة، حتى خُيِّلَ لي أنّني في سوقِ كادقلي، الذي حُرمنا منه مرغمين بفعلِ عصابةِ آل دقلو.
شكرًا للأطباءِ والممرضات، وشكرًا للبروفيسور هجو وهو يتواصلُ من خارجِ البلاد، وشكراً للفاتح حسن المهدي من تنزانيا، ومولانا أحمد هارون، والبروفيسور سليمان الدبيلو، والدكتور يوسف عقار، مستشارِ المارشال أركو مني مناوي، والدكتور محمد آدم، القياديِّ في المؤتمرِ الشعبي، والسلطان الشاذلي عبد المجيد، رئيسِ الاتحادِ المحليِّ لكرةِ القدمِ بولايةِ الخرطوم، والأخ خالد جبر الله، وخمسين فضيلي الوزيرِ بغرب كردفان،أما الأخُ عبد الله بلال وخالد بخيت من الأبيض، فكانتْ مواقفُ الأوَّل قد خفّفتْ عنّا كثيرًا من الآلام.
وهكذا أهلُ السودان، تجمعهم المصائبُ والمحنُ والمرضُ، وتتلاشى الخلافات ،وهذا السودانُ الجميلُ سعى لتخريبه دعاةُ العنصرية. كثيرٌ لم نكتبْ عنهم، لا لضيقِ المساحة، ولا تجاهلًا لمواقفِهم، ولكنهم هم العشيرةُ الأقرب: محمد عبد القادر، ورحمة عبد المنعم، والنور أحمد النور، ومشاعر عثمان، وبكري المدني، والمسلمي البشير الكباشي مدير قناة الجزيرة، ومحمد محمد خير،للجميع التقديرُ والاحترامُ، وقد تعافتْ “مودَّة” بفضلِ دعواتٍ صادقات.






