كبسولة وعي
رصاصة من الداخل (1):
الطابور السادس وتمزيق السودان
العدو الذى لا يرفع السلاح، بل الشعارات لتبرير سقوط الدولة..
تعطيل السيادة باسم “العقلانية”، واعادة تدوير الفشل تحت واجهات “التسوية”
انه عدو خفي يرتدي جلد الحليف، يُقنع الناس بأن الاستسلام وطنية و الصمت حكمة
المعركة اليوم لم تعد على الجبهات فقط، بل في العقول والضمائر ..
*صباح المكي*
*تمهيد: حين يرتدي العدو قناع الحليف*
في الحروب المصيرية التي تهدد بقاء الأوطان، يُعرف العدو بوجهه الظاهر، ببندقيته وشعاراته المعلنة. أما الأخطر، فهو ذلك العدو الذي يرتدي وجه الوطن، ويتحدث بلغته، ثم يطعن في ظهره باسم “السلام”، و”الحياد”، و”الواقعية السياسية”.
هذا ما نواجهه اليوم في السودان، لا فقط مع الطابور الخامس المعروف، بل مع طيف جديد أشد خطورة: الطابور السادس.
خطورة هذا النمط من الفعل السياسي لا تكمن في إطلاق النار، بل في تمهيد الطريق لها؛ لا يقتحم المدن، بل يخرق المفاهيم، يُربك الوعي، ويُعطّل القرار الوطني السيادي. إنّه يضعف الجبهة الداخلية ببثّ روح الانهزام، ويشوّش الرأي العام، ويعطّل السيادة باسم “العقلانية”، ويُعيد تدوير الفشل تحت واجهات “التسوية”، ويُشرعن الميليشيا بمصطلحات مضللة كـ”الاندماج” و”التسوية السياسية”.
إنه عدو خفي يرتدي جلد الحليف، يُقنع الناس أن الاستسلام وطنية، وأن الصمت حكمة. ذلك، من الضروري أن نُعرّي هذا الطيف ونُسمّيه باسمه، ونفكك آلياته ومصادره.
*الجذور التاريخية: الطابور الخامس ومقدمة السادس*
*من أين جاء مصطلح “الطابور الخامس”؟*
مصطلح “الطابور الخامس” ظهر لأول مرة خلال الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936. آنذاك، كانت قوات الجنرال فرانشيسكو فرانكو تحاصر العاصمة مدريد بأربعة طوابير عسكرية. وعندما سُئل الجنرال إميليو مولا، أحد قادة فرانكو، عن خطته لاختراق المدينة، أجاب:
“لدينا أربعة طوابير تتقدم نحو مدريد، والطابور الخامس داخل المدينة.”
في إشارة إلى الموالين لهم من الداخل، الذين سيتكفلون بإسقاطها من الداخل.
ومنذ ذلك الحين، أصبح المصطلح يرمز إلى كل من يعمل من داخل وطنه لصالح العدو الخارجي، عبر بث الشائعات، وضرب الثقة، وتخريب المعنويات والمؤسسات.
*الطابور السادس: خونة اللحظة الحرجة*
بدأ يظهر تعبير “الطابور السادس” في الأدبيات الحديثة، ويُطلق على فئة من الفاعلين السياسيين أو المجتمعيين الذين لا يُعلنون عداءهم للدولة، ولا يعملون بالضرورة لصالح عدو خارجي مباشرة، لكنهم يتبنّون خطابًا رماديًا، ويُمارسون خيانة مغلّفة باسم الحياد، أو الواقعية، أو المدنية، أو حقوق الإنسان. لا يرفعون السلاح، لكنهم يضربون شرعية الدفاع الوطني.لا يقاتلون ضد الوطن، لكنهم يُعيدون تعريفه بطريقة تفرغه من سيادته وعدالته.لا يعلنون انتماءهم للعدو، لكنهم يساهمون في إرباك الصف الوطني، وتضليل الرأي العام، وشرعنة التمرد، وتفكيك المفاهيم الوطنية الأساسية، تحت شعارات براقة مثل “السلام الشامل”، و”المسار المدني”، و”اللا إقصاء”.
*بمعنى آخر: الطابور السادس هو الخيانة التي لا تأتي بلباس العدو، بل بثياب الوطن.*
*الطابور السادس في الحالة السودانية: آليات الحركة والتكتيكات*
في السودان، لا يظهر الطابور السادس في الظل فقط، بل يتحرك علنًا عبر أوجه متعددة من النخب المدنية والإعلامية والحقوقية. ويمكن تفصيل أبرز مظاهره وتحركاته كما يلي:
*١. النخب المتدثرة بعباءة الوطنية*
• هم شخصيات مدنية وسياسية تدّعي الولاء للدولة لكنها عمليًا تُفرغها من مضمونها السيادي والمؤسسي.
• يعرقلون مشاريع الإصلاح الوطني ويشككون في مؤسسات الدولة تحت لافتات “التهدئة” و”الواقعية”.
• يُمارسون نوعًا من التخدير الجماهيري من خلال لغة هادئة تغلف الخيانة بمصطلحات مطمئنة.
*٢. الرماديون: أنصاف المواقف في زمن المعركة*
• يتخذون موقعًا وسطًا بين الجيش الوطني والميليشيا، ويدّعون الحياد بينما يساوون بين الضحية والجلاد.
• ينشرون خطابًا مائعًا يُربك الوعي الشعبي ويقوّض وحدة الصف الوطني.
• يتجاهلون الحقائق الميدانية، مثل التمرد المسلح وجرائم الإبادة التي ارتكبتها الميليشيا.
*٣. أصحاب الشعارات المخدّرة*
• يرفعون لافتات مثل “لا عسكرية ولا ميليشيا” و”لا للحرب”، لكنهم يخفون حقيقة من أشعل الحرب فعلًا.
• يُفرغون مفاهيم مثل “السلام” من محتواها، ويُوظفونها لتبرير الخضوع أمام مشروع التمرد.
• يخاطبون العاطفة العامة بشعارات مشوّهة تُسهم في تعطيل مشروع التحرير.
*٤. دعاة الحوار الشامل بأي ثمن*
• يُطالبون بإشراك الميليشيا في “تسوية سياسية”، متناسين أن الميليشيا تمثل مشروعًا مناهضًا للدولة.
• يدّعون السعي إلى “لا إقصاء”، لكنهم عمليًا يُضفّون شرعية على مجرمي الحرب.
• يُروّجون لسلام وهمي لا يستند إلى العدالة ولا يعيد للدولة سيادتها.
*٥. مُصدرو البيانات الغامضة*
• يصدرون بيانات وتصريحات تُساوي بين الجيش والميليشيا، مما يُطمس الحقائق ويضعف مشروعية الدفاع الوطني.
• يعمدون إلى تعويم اللغة السياسية وتجنّب توصيف التمرد كفعل خيانة وعدوان.
*٦.التدوير الإعلامي الممنهج لصورة التمرد*
• يُستخدم مصطلح “طرف النزاع” أو “قوات موازية” في توصيف الميليشيا، في تجاهل متعمد لحقيقتها كقوة متمردة مدعومة من الخارج.
• يتحاشون تسمية الأشياء بأسمائها: لا يقولون “ميليشيا” ولا “تمرد” بل “قوى”، في عملية تبييض لغوي مدروس.
*٧. السعي إلى التدويل بدل التحصين الوطني*
• يسعون لتدويل الأزمة واستثمارها سياسيًا، حتى لو كان ذلك بدفع السودان نحو الفصل السابع.
• يُراهنون على ضغط دولي يفرض تسوية تعيد إنتاج التمرد، بدل الانخراط في مشروع وطني جامع يُدين العدوان.
*٨.استهداف الجيش الوطني*
• لا يتورعون عن تشويه الجيش السوداني، ليس فقط عبر الانتقاد، بل عبر التشكيك في شرعيته وضرورته الوجودية.
• يتعاملون مع الجيش كمشكلة يجب “إصلاحها”، بينما هو الحصن الأخير للدولة في وجه مشروع التفكيك.
• يسعون إلى تحويل المؤسسة العسكرية إلى كبش فداء، في الوقت الذي يُبرّئون فيه أدوات الحرب والدمار.
*٩.مروّجو الخطاب العنصري والشعبوي المُقنَّع*
• يستخدمون خطابًا ناعمًا ظاهريًا لكنه محمّل بالكراهية المناطقية والقبلية.
• يعاملون السودان كوحدات منفصلة: مثال “دارفور مقابل الخرطوم”، “نهر النيل مقابل جبال النوبة”، مما يُفكك الشعور بالمصير المشترك.
• يُحرّضون على خطاب الضحية الجماعية القَبَليّة لتبرير التمرد، ويُعيدون رواية التاريخ بمعايير انتقائية تخدم أجندات تقسيمية.
• يُخاطبون العشائر والقبائل بلغة “التمكين الشعبي” أو “الكرامة المناطقية”، لكنهم عمليًا يستثمرون الغبن لتقويض الدولة.
• يُجيدون ترويج خطاب “نحن وهم”، ويحوّلون التنوع من مصدر قوة ووحدة إلى وقود لصراع داخلي مُمَنهج.
*عندما يتّحد الطابور الخامس مع السادس*
عندما يتّحد الطابور الخامس مع السادس، لا تكون الخيانة مضاعفة فقط، بل يتحوّل الأمر إلى تفكيك شامل للدولة. الخامس يضرب من الخارج بالسلاح والتمويل والشائعات، والسادس يشرعن ضرباته من الداخل، ويُدين الدفاع باسم “السلام”. الأول يُطلق الرصاصة، والثاني يمنع صدّها، فتصبح المعادلة معكوسة: يُجَرَّم المدافع، ويُكافأ القاتل، وتُعاد صياغة الوطنية لتغدو خضوعًا لا سيادة. يغرس الأول الخنجر، ويُقنعك الثاني أن تنزعه بيدك… وتعتذر للقاتل.
*اختراق الهوية الوطنية: حين يُصبح التنوع أداة للتفكيك*
إن أخطر ما يفعله الطابور السادس حين يختبئ خلف خطاب الحقوق والهويات، هو تحويل التنوع من نعمة وطنية إلى أداة للابتزاز السياسي والتفكيك المجتمعي. فبدلًا من تعزيز الوحدة على أساس العدالة والمواطنة، يُعاد تشكيل الوعي الجمعي ضمن سرديات ضيّقة: جهوية، قبلية، أو عرقية، يُروّج لها بخطاب شعبوي يغري العاطفة ويُعطّل العقل.
هؤلاء لا يتحدثون بصوت صريح عن الانفصال، لكنهم يزرعون بذوره في النفوس عبر خطاب “المركز ضد الهامش”، “نحن مقابلهم”، أو عبر تجريم التاريخ الوطني كمجموعة من الخيانات المتوارثة، وتلميع مشاريع التمرد كـ”ثورات الهامش”. أو رسم الانفصال كأنه الحل الأمثل لكل حروب السودان ومشاكل السودان.
بهذا المسار، يصبح السودان ساحة شحن عاطفي لا مشروع وطني، وتتحول الهوية الوطنية إلى شتات خطابي يُستثمر لتبرير التمرد، لا لبناء وطن يتسع للجميع. وهنا، لا تُقوّض الدولة فقط من الخارج، بل تُفكَّك من داخلها — لغةً، وهويةً، ومصيرًا.
*خاتمة: حين تصبح المعركة وعيًا*
في زمن الحرب، الصمت خيانة، والرمادية خيانة، والتبرير خيانة.
لا مكان لطرف ثالث أو حياد بين الدولة والتمرد، ولا شراكة مع كيان قاتل.
فالمعركة اليوم لم تعد على الجبهات فقط، بل في العقول والضمائر؛
والطابور السادس لا يُهزم بالنار، بل بالضوء.
لا يُسقط بالسلاح، بل بالوعي.
ولا يُعرّى بالشعارات، بل بكشف الأجندات، وفضح التنسيقات، وقطع شرايين التمكين الناعم.
ما طُرح في هذا الجزء ليس سوى مدخل أولي لفهم ملامح الطابور السادس: الآليات، الخطاب، وتكتيكات التمويه. لكنّ الخطر لا يُردّ بالتحليل وحده. المواجهة الحقيقية تبدأ حين ننتقل من العموم إلى التحديد، من تفكيك الظاهرة إلى تسمية رموزها، وفضح شبكاتها وآلياتها.
*في الجزء الثاني*، سنزيح الأقنعة، ونُعرّي الخطابات التي تُلبس الخيانة ثوب الوطنية. سنعرض نماذج حيّة، ومواقف موثّقة لا تحتمل التأويل — وكيفية مواجهة الطابور السادس. لأن المعركة لم تعد تحتمل الغموض، ولا السودان يحتمل مزيدًا من السُمّ المغلّف بالعسل.
حين يُذبح الوطن على طاولات التحليل البارد، لا بد أن نكسر الصمت.
فكل رصاصة تُطلق من الداخل، لا تحتاج بندقية — يكفيها بيان رمادي، أو مقال مموّل.
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com






