تقرير دولي يصف ما يجري في السودان بـ”حرب الفظائع”…
مجلس حقوق الإنسان ..التفاصيل الكاملة..
الكرامة:رحمة عبدالمنعم
الخرطوم تدين تسييس العدالة وتتهم الإمارات بدعم المليشيا..
رئيس البعثة : ما يجري في السودان “حرب فظائع” وجرائم ضد الإنسانية
النائب العام: تسجيل 131,706 دعاوى و1,988 حكم قضائي في جرائم الحرب والانتهاكات
تقرير أممي: العنف الجنسي سمة بارزة للحرب في السودان..
المليشيا ارتكبت 30,267 جريمة قتل و43,575 إصابة منذ اندلاع الحرب
1,866 حالة عنف جنسي موثقة ارتكبتها الجنجويد ضد النساء والأطفال
إحالة 4,985 دعوى إلى المحاكم الوطنية والفصل في 1,988 قضية
شهدت قاعة مجلس حقوق الإنسان في جنيف امس الثلاثاء،سجالاً حاداً حول تطورات الحرب الدائرة في السودان، مع تقديم رئيس البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، محمد شاندي عثمان، لتقريره أمام الدورة الستين للمجلس، في وقت قدمت فيه النائب العام السوداني، مولانا انتصار أحمد عبد العال، بيان اللجنة الوطنية للتحقيق في الجرائم والانتهاكات، مدافعةً عن استقلالية القضاء السوداني ومؤكدةً انحراف البعثة الدولية عن ولايتها.
حرب فظائع
وقال رئيس بعثة تقصي الحقائق محمد شاندي ،خلال تقديم تقرير البعثة أمام الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف،إن ما يجري في السودان يمثل “حرب فظائع” ارتكبت خلالها انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب من قبل قوات الدعم السريع وحلفائهما، وأوضح أن المدنيين “لا يجدون أنفسهم في مرمى النيران فحسب، بل يتم استهدافهم عمدًا وتهجيرهم قسرًا وحرمانهم من الغذاء”، مؤكداً أن “العديد من أفعال قوات الدعم السريع ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية بما في ذلك الاضطهاد والإبادة”.
وأضاف عثمان أن البعثة وثقت “حالات اغتصاب واغتصاب جماعي واسترقاق جنسي وزواج قسري ارتكبها عناصر من قوات حميدتي، استهدفت نساءً وفتيات من مجتمعات غير عربية، بعضهن لم يتجاوزن الثانية عشرة من العمر”، مشيراً إلى أن “العنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي شكّل سمة بارزة لهذه الحرب”.
كما لفت إلى “إحدى أخطر أزمات الجوع الطارئة في التاريخ الحديث”، مع استهداف الأسواق وتدمير النظام الصحي وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، وأكد أن “هذه ليست أضراراً جانبية”، موضحاً أن “القوات المسلحة فشلت في الحد من الخسائر وسط المدنيين، بينما اعتمدت قوات الدعم السريع استراتيجية متعمدة للتجويع والحرمان من مقومات البقاء، وهو ما قد يرقى إلى جريمة إبادة جماعية”.
وطرح رئيس البعثة خارطة طريق من أربع ركائز أساسية: وقف العنف وحماية المدنيين، حظر السلاح والدعم المادي، تسهيل عملية سلام شامل، وتوثيق الانتهاكات ودعم الضحايا.
الدعم الإماراتي
في المقابل، أكدت النائب العام مولانا انتصار أحمد عبد العال، في بيانها أمام المجلس، أن مشاركة وفد السودان “لا تعني بأي حال المساس بموقف السودان الرافض لقرارات 54/2 و57/2″، وإنما تأتي لتبيان الإجراءات التي اتخذتها السلطات العدلية.
واستعرضت النائب العام ما وصفته بفظائع وانتهاكات المليشيا الإرهابية، مؤكدة أن اللجنة الوطنية سجلت أكثر من (131,706) دعاوى، بينها (366) ضد منسوبي قوات نظامية، وأحيلت (4,985) دعوى إلى المحاكم الوطنية، صدر الحكم في (1,988) منها. وأضافت أن “الحالات الموثقة للعنف الجنسي بلغت (1,866)، إلى جانب القتل (30,267) والجرحى (43,575)”.
واتهمت النائب العام مليشيا الدعم السريع باستخدام حصار المدن كسلاح للتجويع والقتل، واجتياح معسكرات النازحين في دارفور، فضلاً عن انتهاكات واسعة في ولايات الجزيرة وسنار وشمال وغرب كردفان والخرطوم وغرب دارفور. وأشارت إلى أن “الدعم الإماراتي بالسلاح والعتاد وتجنيد المرتزقة أسهم في تأجيج الحرب وتعميق الأزمة الإنسانية، محدثاً خسائر اقتصادية قدرت بـ(771) مليار دولار”.
كما نفت مولانا انتصار اتهامات بعض المنظمات غير الحكومية بشأن استخدام السودان لأسلحة كيميائية، ووصفتها بأنها “مزاعم باطلة ومسيّسة بنيت على مصادر مجهولة”، مؤكدة أن السودان ملتزم باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وقد شكّل لجنة وطنية للتحقيق في الادعاءات.
حقوق الإنسان
ويرى مراقبون أن الجلسة عكست عمق الانقسام بين البعثة الدولية التي تسعى لإثبات انتهاكات واسعة النطاق، وبين الحكومة السودانية التي ترفض ما تعتبره “تسييساً” لملف حقوق الإنسان وتسعى للتأكيد على قدرة القضاء الوطني على محاسبة مرتكبي الجرائم، ويشير هؤلاء إلى أن وجود عشرات الآلاف من الدعاوى أمام المحاكم السودانية، والأحكام الصادرة بالفعل ضد منسوبي قوات نظامية، يمثل دليلاً عملياً على أن مؤسسات العدالة السودانية تعمل بفعالية وأنها قادرة وراغبة في إنصاف الضحايا، كما يرون أن الاتهامات المتكررة ضد الإمارات بشأن دعم المليشيا الإرهابية بالسلاح والمرتزقة لم تُقابل حتى الآن بالتحقيق المستقل اللازم، وهو ما يعزز موقف السودان الداعي إلى وقف التدخلات الخارجية باعتبارها المحرك الأساسي لاستمرار الحرب وإطالة أمد المأساة الإنسانية.
جدل متصاعد
ويرى خبراء أن الجدل الدائر في مجلس حقوق الإنسان يعكس أزمة أعمق تتعلق بمدى استقلالية الآليات الدولية في التعامل مع النزاعات المسلحة، إذ يعتبر السودان أن التركيز غير المتوازن على مؤسسات الدولة الشرعية، مقابل غض الطرف عن جرائم المليشيا المدعومة خارجياً، يفرغ العدالة من مضمونها ويجعلها أداة سياسية، ويؤكد قانونيون أن تمسك الخرطوم بمبدأ “التكاملية” ـ أي أولوية القضاء الوطني في إنفاذ العدالة ـ ينسجم مع القواعد الدولية التي تشترط تدخل الآليات الأممية فقط عند عجز النظم القضائية المحلية، وهو ما لم يثبت في حالة السودان بعد تقديم آلاف الملفات للمحاكم الوطنية وصدور مئات الأحكام القضائية بالفعل.
ويشير محللون إلى أن الأرقام التي عرضتها النائب العام حول الدعاوى والإدانات، تمثل برهاناً عملياً على فاعلية القضاء الوطني في ملاحقة الجناة بغض النظر عن انتماءاتهم، بما في ذلك محاكمة منسوبي القوات النظامية،كما أن كشف اللجنة الوطنية لدور الإمارات في تسليح المليشيا وتجنيد المرتزقة أعاد النقاش إلى جذور الحرب ومصادر تمويلها، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في وقف تدفق السلاح بدلاً من الاكتفاء بتقارير توصيفية.
ويرى مراقبون أن استمرار البعثة الدولية في تجاوز مبدأ الحياد من شأنه إضعاف ثقة الضحايا أنفسهم في جدوى العدالة الدولية، ما قد يعزز القناعة بضرورة دعم المؤسسات الوطنية كخيار وحيد لضمان المحاسبة ومنع الإفلات من العقاب.





