حاجب الدهشة علم الدين عمر في بريد رئيس الوزراء -المستشارين ومؤسسات الدعم ..حماية قرارات الدولة!!

حاجب الدهشة
علم الدين عمر

في بريد رئيس الوزراء -المستشارين ومؤسسات الدعم ..حماية قرارات الدولة!!

أذكر أنني سألت أحد وزراء حكومة الدكتور عبدالله حمدوك-سيئة السيرة.. كان قد شكي لي من عدم وجود مرجعية واضحة تسند قراراته فيما يخص عمل الوزارة والتدخلات الكارثية لنشطاء الحرية والتغيير حينها عن مرجعياته لإتخاذ القرارات فقال لي نصاً (لا توجد مرجعية)..وكان هذا أحد أسباب السقوط المدوي لتلك الحكومة المسنودة جماهيرياً بالهياج الثوري..
لا شيء يهدد بقاء الدولة أكثر من غياب العقل المؤسسي الذي يقيد إندفاع القرارات المتعجلة ويمنحها بعداً إستراتيجياً معقولاً ..السودان اليوم، وهو يواجه حربه المفتوحة وأزماته الإقتصادية والإجتماعية الطاحنة.. يكاد يدفع ثمن غياب مؤسسات دعم القرار ومكاتب الخبراء التي كان يمكن أن تكون صمام الأمان لقرارات الدولة ..لقد أظهرت التجربة السودانية الحديثة أن القرارات التي تُصاغ في الغرف الضيقة.. أو تلك التي تُبنى على المزاج السياسي والإنفعال اللحظي.. سرعان ما تتحول إلى عبء ثقيل على الدولة..وتفتح الباب أمام خسائر يصعب تعويضها.. سواء في الملفات الإقتصادية حيث تكررت السياسات المرتبكة بلا أثر ملموس..أو في الدبلوماسية التي تاهت بين المواقف المتناقضة..أو في الشأن السياسي والتنفيذي الذي دفع أثماناً فادحة نتيجة تقديرات غير دقيقة.. القاسم المشترك في كل ذلك هو غياب المرجعية المؤسسية التي تمتحن القرار قبل أن يُعتمد..
إن مؤسسات دعم القرار هي بالضبط العقل الجمعي الذي يحمي القيادة من الوقوع في فخ العزلة الفكرية وضغط اللحظة..
المستشارون والخبراء – متى مُنحوا صلاحيات حقيقية – قادرون على رسم سيناريوهات متعددة.. وطرح خيارات عملية.. وتقديم تقديرات موضوعية مبنية على معلومات وتحليلات رصينة..وبهذا المعنى فإنهم لا يسلبون الدستوريين صلاحياتهم كما يتوهم البعض..بل يوفرون لهم دروعاً واقية من الإنحراف وراء الأخطاء الكارثية..
الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تفعل ذلك بقوة السلاح أو بوفرة الموارد الطبيعية..إنما قامت علي ذلك بقدرتها على إرساء مراكز تفكير متخصصة وأجهزة دعم قرار قوية.. هذه المؤسسات عملت كالبوصلة التي توجه القرار العام وسط عواصف السياسة والإقتصاد والإستقطاب ..وحمت القادة من ضغوط اللحظة ومن إغراء الحلول السهلة قصيرة المدى..
والحال أن السودان.. في وقته الراهن يحتاج لهذه المؤسسات أكثر من أي وقت مضى..
المطلوب ليس إنشاء هياكل شكلية جديدة تُضاف إلى قوائم (البيروقراطية) بل إعادة بناء منظومة فاعلة ومرنة.. مكاتب مستشارين وخبراء ترتبط مباشرة بمراكز صنع القرار.. تُمنح صلاحيات واضحة.. وتُحمى من التهميش.. وتُحاسب بالنتائج.. وحده هذا النهج كفيل بتحويل القرارات من إرتجال فردي إلى عمل مؤسسي منظم.. عودة مؤسسات دعم القرار هي الخيار الوجودي المتعلق بمستقبل الدولة.. فالقرارات المصيرية التي تحدد مصير الوطن لا يمكن أن تُترك رهينة تقديرات ضيقة أو انفعالات آنية.. ولا سبيل إلى أستعادة ثقة المواطن والمجتمع الدولي في الدولة السودانية إلا بوجود عقل راشد يستند إلى المعرفة والتحليل والتخطيط بعيداً عن الارتجال..
لقد آن الأوان لأن تدرك القيادة أن حماية السودان تبدأ من حماية القرار نفسه.. فالمؤسسة قد تهزم نفسها إذا ظلت أسيرة لقرارات مرتجلة بلا سند فكري أو مؤسسي..
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم..من يحمي القرار السوداني من أخطائه؟ ومن يحصن المسؤول من نفسه ومن بطانته ومن إنفعالاته لحظة إتخاذ القرار ؟؟
هي بلا شك مؤسسات دعم القرار ومكاتب المستشارين ودراساتهم وتوصياتهم يا دولة رئيس الوزراء فأمض لهذا الشأن بالعزيمة والمباشرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top