تحدَّت الإعاقة ومعاناة اللجوء، فكانت الأولى في المساق النسوي،،
مناسك الصادق.. المستحيل ليس سودانياً..
تقرير:إسماعيل جبريل تيسو
مثالٌ للصبر والانضباط، والعزيمة وقوة الإرادة، ورمزٌ للأمل، وأيقونةٌ للكفاح..
الحرب قطعت عليها رحلة العلاج، ولكن الأمل مازال قائماً في استعادة سمعها..
قصة ملهمة تنتظر الشركات والمؤسسات والخيريين لتكمل رحلة العلاج..
من رحم المعاناة، ومن بين خيام ومعسكرات اللجوء في منطقة كِريان دونغو بأوغندا، خرجت الطالبة السودانية مناسك الصادق آدم لتكتب فصلاً استثنائياً في كتاب الإرادة الإنسانية، حيث لم تمنعها مقاساة اللجوء وطقس المخيمات، ولا تحديات الإعاقة السمعية من ملاحقة حلمها في التعليم، حتى أصبحت الأولى على مستوى السودان في مساق التعليم النسوي بامتحانات الشهادة الثانوية لهذا العام، لتتحول قصة مناسك إلى رمز للأمل، وأيقونة للكفاح، ورسالة ملهمة لكل من أنهكته الحرب وأعياه اليأس.
المرض يخطف سمعها:
يروي والدها، بصوتٍ تختلط فيه الدهشة بالفخر، أن مناسك وُلدت كأي طفلة سليمة، تنطق وتسمع وتضحك، فالتحقت بالمدرسة الابتدائية مبكراً، وبدأت خطواتها الأولى في بلاط التعليم بذكاء لافت، ولكن المرض كان لها بالمرصاد فقد طرق بابها فجأة قبل نهاية الصف الثاني الأساسي، “عرفنا أنها فقدت السمع فجأة”، يقول والدها، تجولنا بها بين الأطباء، فقيل لنا إن العصب السمعي أصيب بضعف شديد، واصلنا رحلة العلاج ولكن مع الوقت بدأت مناسك تفقد القدرة على الكلام أيضاً، باعتبار أن السمع هو طريق النطق، وبعد اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، توقف برنامج العلاج بسبب إغلاق المستشفيات، وانقطاع الطرق، ومع ذلك ظلت الأسرة متمسكة بالأمل، وظلت مناسك تحمل سماعتها الطبية الصغيرة التي تمثل نافذتها لتطل بها نحو العالم، وتتعلم من خلالها الحروف والأصوات من جديد.
مسيرة رغم اللجوء:
ومع اشتداد لظى الحرب التي وصلت نيرانها إلى المدارس، ورياض الأطفال، ومراكز التعليم، حيث قُصفت الفصول، وتبددت أحلام الأطفال بين الخوف والدمار،
اضطرت الأسرة إلى اللجوء ضمن آلاف السودانيين نحو أوغندا، لتستقر في معسكر كِريان دونغو، وهناك بدأت مناسك فصلاً جديداً من التحدي، كان ميدانه ضيق الحال، وشظف العيش، وانعدام الخدمات، ولكن ذلك لم يمنع مناسك من التمسك بحلمها، فدرست تحت ظلال الأشجار نهاراً، وبضوء المصباح الشحيح ليلاً، واستخدمت التكنولوجيا أحياناً لتجاوز إعاقتها، فتعلمت التواصل عبر التطبيقات التعليمية وأدوات الصوت الرقمي، لقد كان الطريق صعباً، لكن الإرادة كانت أقوى وأكبر.
نموذج يحتذى:
ووفقاً لمعلماتها فإن مناسك كانت مثالاً نادراً للصبر والانضباط، لا تعرف الكلل ولا الملل، وتساعد زميلاتها رغم ضعف سمعها، وحين أعلنت وزارة التربية والتعليم نتائج امتحانات الشهادة الثانوية في السودان، كانت المفاجأة مدوّية: “مناسك الصادق آدم – الأولى على مستوى السودان في مساق التعليم النسوي”- صرخة الفرح في معسكر اللجوء كانت أبلغ من أي بيان رسمي، لأن هذا التفوق لم يكن مجرد نجاح أكاديمي، بل انتصار للإنسان على القهر، وللإرادة على المستحيل، وتقول الإعلامية هالة محمد عثمان إن قصة الطالبة مناسك الصادق آدم، نموذج ملهم، وهي مرآة لآلاف الأطفال السودانيين الذين تقطعت بهم السبل في المنافي ومعسكرات النزوح، وحملوا معهم ما تبقّى من أحلامهم، وقالت الأستاذة هالة في إفادتها للكرامة من يوغندا إن مناسك تعتبر مثالاً يحتذى للقدرة على النهوض رغم الألم، وللتمسك بالعلم رغم كل القيود، وزادت: ” لقد علمتنا مناسك أن الإعاقة ليست في الجسد، بل في غياب الإرادة، وأن في قلب كل محنة بذرة معجزة تنتظر من يرويها بالإيمان والعزيمة”، ونوهت هالة إلى الرسالة المؤثرة التي كتبتها مناسك بلغة بسيطة عبر هاتفها السيار مفادها: “أحلم أن أعود إلى وطني، أن أرى مدرستي القديمة وأصدقائي، أريد أن أعيش في بلدٍ آمن، لا تُقصف فيه المدارس، ولا يُحرم فيه الأطفال من التعليم، لقد كانت كلماتها امتداداً لصوت كل الأطفال الذين حُرموا من أحلامهم بسبب الحرب، تقول الإعلامية هالة محمد عثمان، وتضيف أن صورة مناسك أصبحت رمزاً مضيئاً لكل اللاجئين السودانيين الذين لم يفقدوا الأمل في الغد.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر فقد قدمت الطالبة مناسك الصادق آدم نموذجاً جديداً لتحدي حواء السودان ومواقفها المشرقة في الحرص على طلب العلم، وركوب المخاطر والصعاب، فالمستحيل ليس سودانياً، ولعلها سانحة توجه من خلال صحيفة الكرامة نداءً إلى الشركات والمؤسسات، ورجال البر والإحسان والخيرين في الداخل والخارج لمدّ يد العون للطالبة مناسك، ودعم رحلتها العلاجية وتمكينها من مواصلة تعليمها الجامعي، تقديراً لقصة كفاح تُجسّد الوجه الأجمل للإنسان السوداني الصامد.





