المليشيا نفذت أعمالاً انتقامية ضد المدنيين وأعدمت عشرات الشبان في الشوارع..
بارا… مدينة الموت الجماعي..
الكرامة –رحمة عبدالمنعم
المليشيا تقتل مئات المدنيين وتحوّل بارا إلى ساحة موت مفتوحة
الهلال الأحمر ينعى خمسة من متطوعيه ويقدالاتصال بثلاثة آخرين
الأمم المتحدة: تقارير موثوقة عن إعدامات ميدانية للمليشيا بكردفان
شهادات مروعة من الناجين: المليشيا أعدمت شبان بتهمة الانتماء للجيش
الأبيض تستقبل العشرات من جرحى بارا ونداءات عاجلة للتبرع بالدم ..
تورك يدعو لوقف الفظائع: ما يجري انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني
تعيش مدينة بارا بولاية شمال كردفان واحدة من أكثر فصول الحرب دموية منذ اندلاعها في أبريل 2023، بعد أن تحولت خلال الأيام الماضية إلى ساحة قتل جماعي بحق المدنيين على أيدي مليشيا الدعم السريع، وسط شهادات مروعة عن إعدامات ميدانية وتصفيات جماعية استهدفت مئات الشبان عقب سيطرة المليشيا على المدينة.
نزيف بارا
ووصلت عشرات الحالات الحرجة إلى مستشفيات مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان امس الثلاثاء، قادمة من بارا، إثر هجمات وصفتها منظمات إنسانية بأنها “مجازر مروعة” ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين العزل.
ووجّه متطوعون في الأبيض نداءات عاجلة للتبرع بالدم لإنقاذ المصابين، في وقت تتحدث فيه مصادر طبية عن نقص حاد في المستلزمات والإمدادات الطبية جراء ارتفاع أعداد الجرحى.
وقال عاملون في المجال الإنساني لـموقع “الترا سودان” إن من تمكنوا من النجاة فرّوا ليلاً سيراً على الأقدام نحو الأبيض، متجنبين حواجز المليشيا التي نشرت عناصرها في الطرقات.
ووفقًا لشهادات هؤلاء، فإن مليشيا الدعم السريع أطلقت النار على مواطنين كانوا يشيّعون قتلاهم في أحد أحياء المدينة، فيما جُمِع عشرات الشبان من الشوارع وأُعدِموا ميدانيًا بتهمة الانتماء إلى القوات المسلحة.
وقال أحد عمال الإغاثة إن ما جرى في بارا لم يكن اشتباكاً عسكرياً بل عملية انتقام واسعة استهدفت سكان المدينة، معظمهم من الشباب الذين عادوا إلى منازلهم بعد إعلان الجيش سيطرته المؤقتة على المنطقة. وأضاف أن المدينة باتت في 27 أكتوبر “ساحة موت مفتوحة”، حيث يواجه من تبقى من السكان صعوبة في دفن الجثث المتناثرة في الأحياء.
الهلال الأحمر
من جانبه، أعلن الهلال الأحمر السوداني في بيان رسمي امس الثلاثاء، مقتل خمسة من متطوعيه في مدينة بارا أثناء أداء مهامهم الإنسانية، مؤكداً فقدان الاتصال بثلاثة آخرين في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور.
وقال البيان إن المتطوعين الذين ظهروا في مقطع مصوّر تم تداوله على نطاق واسع كانوا يرتدون الشارات الرسمية ويحملون بطاقات تعريف صادرة عن فرع الجمعية في شمال كردفان، ما يجعل استهدافهم انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تُلزم جميع الأطراف بحماية العاملين في المجال الإنساني.
وأشار الهلال الأحمر إلى أن عدد ضحاياه منذ اندلاع الحرب بلغ 28 متطوعاً وموظفاً قُتلوا أثناء أداء واجبهم في مناطق النزاع، داعياً جميع الأطراف إلى ضمان سلامة المتطوعين وإفساح المجال للعمل الإنساني، كما طالب الجهات الدولية بفتح تحقيق عاجل في أحداث بارا والفاشر، مؤكدًا أن ما جرى يمثل تدهوراً خطيراً في احترام المبادئ الإنسانية الأساسية.
الأمم المتحدة
من جهته، أعرب مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء التقارير الواردة من شمال كردفان، والتي تشير إلى عمليات إعدام بإجراءات موجزة نفذتها قوات الدعم السريع ضد مدنيين في بارا عقب سيطرتها على المدينة يوم 25 أكتوبر.
وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن هذه التقارير تفيد بمقتل عشرات المدنيين بدعوى دعمهم للقوات المسلحة السودانية، مؤكداً أن ما يحدث يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني.
وأضاف تورك: “يجب على قوات الدعم السريع أن تتخذ خطوات عاجلة وملموسة لوقف الانتهاكات ضد المدنيين في بارا، بما في ذلك العنف القَبَلي والهجمات الانتقامية.”
وشدد المفوض الأممي على أن القانون الدولي يحظر استهداف الأفراد غير المشاركين في الأعمال العدائية، كما يمنع استخدام التجويع كسلاح حرب، في إشارة إلى القيود التي تفرضها المليشيا على مرور الإمدادات الغذائية والدوائية.
ودعا تورك الدول ذات النفوذ إلى التحرك العاجل لمنع وقوع فظائع أوسع، ووقف ما وصفه بـ”العنف اللامحدود الذي لا يُطاق”.
جرح جديد
وتحولت مدينة بارا التاريخية، إلى مدينة منكوبة بعد أيام العنف المنهجي. فالمنازل دُمّرت، والجثث تُركت في الطرقات، والعائلات تبحث عن ذويها وسط الركام.
وفي ظل انقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول، ما تزال الصورة الكاملة لما جرى غير مكتملة الملامح، لكن شهادات الناجين والعاملين الإنسانيين تكشف عن مجزرة جديدة تُضاف إلى سجل انتهاكات قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب.
وبينما تتصاعد الدعوات الدولية للتحقيق والمساءلة، تبقى بارا — مثل مدن كثيرة في السودان — شاهدة على انهيار القيم الإنسانية في زمن الحرب،ودليلًا دامغاً على أن المدنيين يظلون الضحايا الدائمين أمام مليشيا تجردت من كل معاني الرحمة.






