آخر الإسبوع
علم الدين عمر
عودة تنفيذية قوية، وتوازنات عسكرية تعيد رسم الخريطة..
المشهد السوداني.. خطابات صادمة أدوار إقليمية متحركة..
البرهان في مواجهة مباشرة.. خطاب حاد يعيد تعريف الموقف السوداني..
الرياض في قلب العاصفة السودانية.. إحتفاء رسمي وشعبي بدور ولي العهد السعودي
عودة رئيس الوزراء كامل إدريس.. نشاط ميداني مكثف..
تحولات الحرب بكردفان ودارفور.. تفكك داخل الميليشيا وتقدم ثابت للجيش..
القاهرة والخرطوم.. إختراق إقتصادي مهم عبر ملتقى رجال الأعمال ..
شهدت الساحة السودانية خلال الإسبوع الماضي سلسلة من التطورات السياسية والعسكرية والدبلوماسية شديدة الوقع..جسدت حالة إعادة التموضع التي يشهدها السودان داخلياً وخارجياً..بداية بخطاب نادر لرئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وضع فيه النقاط على الحروف في أمر الحرب والسلم والتفاوض مروراً بمشهد عربي جديد يتقدم فيه الدور السعودي بثقة في المعادلة السودانية وليس نهاية بعودة رئيس الوزراء د. كامل إدريس إلى دفة العمل التنفيذي الميداني وتطورات الحرب التي تشير إلى تغير موازين القوى شرقاً وغرباً—إتضحت ملامح إسبوع كان الأكثر كثافة وتأثيراً منذ شهور..
وفي ظل هذه المستجدات..بدا السودان وكأنه يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري والخدمي.. تُظهر أن خطوط الصراع تجاوزت جبهات القتال المباشرة وأنتقلت إلى الموقف الدولي.. وتوازنات الإقليم.. وملفات الإدارة اليومية للدولة..ومسار بناء المؤسسات الذي تعطل بفعل الحرب وعاد الآن ليحتل واجهة الإهتمام..
(1)
خطاب البرهان.. إصطدام مباشر مع وكشف للأوراق الدولية والإقليمية..
في واحدة من أكثر المواجهات والمواقف السياسية حساسية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.. خرج رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان خلال تنوير معلن لقيادات القوات النظامية من رتبة اللواء فما فوق بخطاب حاد ومباشر وغير مسبوق.. حمل رسائل مباشرة إلى الولايات المتحدة ومؤسساتها السياسية والأمنية.. في خطوة أعادت ترتيب مسار العلاقة بين الخرطوم وواشنطن..والعالم فيما يلي الحرب والسلم والتفاوض..
اتهامات واضحة لمستشار الرئيس الأمريكي..
إتهم البرهان مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس بتقديم تقارير مضللة وغير صحيحة عن الوضع السوداني..وتبني موقف الإمارات وبمحاولة فرض خارطة طريق “لا تعبر عن الشعب السوداني” ولا تراعي واقع الحرب ولا توازنات القوى داخل البلاد..وأشار إلى أن بولس يعمل بصورة منحازة وغير مهنية.. ما يعكس—وفق تعبير البرهان—انهيار مبدأ الحياد الذي يفترض أن تقوم عليه الوساطة الدولية..
المؤسسة العسكرية في موضع المواجهة..
نجح خطاب البرهان في إعادة بناء خطاب سياسي قوي للقوات المسلحة..إذ أكد بشكل قاطع أن الجيش سيواصل معركته حتى استعادة الدولة..إتساقاً مع مخاطبات أخري لقائد الجيش خلال الإسبوع وأن أي تسوية سياسية تتجاوز إرادة الشعب مرفوضة بالكامل..
هذا الموقف مثل نقطة ارتكاز جديدة للمؤسسة العسكرية.. يقرأها المراقبون باعتبارها تحولاً نحو سياسة أكثر صلابة فيما يتعلق بالتدخلات الدولية والإقليمية..
إنعكاسات الخطاب على المشهد الدولي..
أحدث الخطاب ردود فعل واسعة..وأعتبره كثيرون إعلاناً واضحاً بأن السودان لم يعد يتعامل مع الولايات المتحدة والأطراف المتداخلة مع المشهد السوداني من موقع الطرف الضعيف..بل أصبح قادراً على كشف الإنحيازات ومحاولة توجيه دفة الضغط الدولي..
وهذا ما يعزز—مع مرور الوقت—إمكانية تشكل بيئة تفاوضية جديدة لا تتأسس على معادلة “الضغوط الغربية”..وتعتمد على موازين القوى العسكرية والسياسية الواقعية داخل السودان..
( 2)
السعودية في الواجهة..
برز خلال الإسبوع بشكل لافت حجم الإحتفاء الرسمي والشعبي في السودان بالدور الذي لعبه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الملف السوداني..بعد حديثه المباشر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الحرب وتأثيرها الإقليمي والأمن العربي..
الرياض.. حليف استراتيجي لا يمكن تجاوزه..
تؤكد التطورات أن الدور السعودي لم يعد دوراً داعماً فحسب.. بل أصبح موقعاً محورياً في أي مسار سياسي أو اقتصادي للسودان..فالحديث السعودي المتقدم مع واشنطن حول الأزمة يعكس إدراكاً عميقاً لمخاطر الحرب على الأمن الإقليمي وعلى الملاحة في البحر الأحمر.. وعلى الإستقرار في القرن الإفريقي..
فعاليات رسمية وشعبية تعبر عن الإمتنان..
شهد الإسبوع فعاليات متعددة—رسمية وشعبية—أشادت بدور المملكة..معتبرة أن الرياض تحولت إلى “خط دفاع” عن السودان سياسياً واقتصادياً.. وأن جهودها الدبلوماسية مثلت إحدى أهم نقاط التماسك في وقت تتراجع فيه أدوار أطراف دولية أخرى..لصالح المؤامرة على السودان ..حيث تنظر الدولة والشعب السوداني خلال هذه المرحلة للدور السعودي والمصري بكثير من الإمتنان والتقدير..
تحول في ميزان العلاقات العربية..
في هذا الإطار.. يبرز تقدير السودان للدور السعودي بصفته شراكة إستراتيجية تمتد من الإقتصاد إلى الأمن إلى العلاقات الخارجية..
ويقرأ المراقبون هذا التطور بوصفه بداية لمرحلة جديدة تتقدم فيها المملكة لتكون ركيزة أساسية في إعادة إعمار السودان بعد الحرب.. وهو ما سيعيد صياغة الخريطة الإقليمية للسودان على نحو عميق..وأكثر تأثيراً علي المشهد الإقليمي في ظل تغيرات كبيرة ستطرأ علي خارطة الأحلاف والتوازنات وربما الحدود السياسية والمجتمعية القُطرية..
(3)
كامل إدريس.. عودة تنفيذية قوية
بعد عودته من جولة أوروبية طويلة دخل رئيس الوزراء د. كامل إدريس سريعاً إلى الميدان عبر زيارات مفاجئة ومكثفة للنوافذ الخدمية..في خطوة أنهت موجة الإشاعات التي رافقت غيابه..وأظهرت رغبة واضحة في إحداث تحول عملي في أداء الجهاز التنفيذي..
مراجعة الخدمات على الأرض..
شملت جولات رئيس الوزراء تفقد سير العمل بإدارتي التسجيلات التجارية والملكية الفكرية بوزارة العدل.. وزيارة إدارات الجوازات والسجل المدني ببورتسودان..
وخلال هذه الزيارات.. أصدر إدريس توجيهات واضحة بتسهيل الإجراءات.. ورفع كفاءة المؤسسات..ومعالجة التعقيدات التي تواجه المواطنين في استخراج الجوازات والوثائق الثبوتية..
رسالة سياسية داخلية..
الزيارات لم تكن ذات طابع إداري بل حملت رسائل سياسية مهمة:
الحكومة عادت إلى الميدان..
الجهاز التنفيذي أصبح قريباً من المواطنين..
مرحلة ما بعد الحرب لن تُدار من المكاتب المغلقة..
لا مكان للشائعات ومحاولات زرع الفتنة بين مكونات الدولة السودانية خلال معركة الكرامة..
هذه الرسائل تعزز ثقة الشارع وتعيد رسم صورة الدولة التي غابت لفترة طويلة عن الفعل المباشر..
إستعادة الحياة المدنية خارج نطاق الحرب..
تأتي هذه التحركات في إطار إعادة ضبط الخدمات المتأثرة بالحرب..وخاصة في مجالات السجل المدني والتسجيلات التجارية..وهي خدمات حيوية توقفت في كثير من المناطق وخلفت فراغاً إدارياً كبيراً..
وبعودة الحكومة إلى هذه الملفات.. تبدأ مرحلة إعادة تشغيل الدولة من جديد.. حيث يحتاج المواطنين إلى إجراءات تعيد لهم القدرة على الحركة.. والسفر..والعمل.. وإعادة بناء حياتهم..
(4)
تحولات الحرب.. تفكك الميليشيا وتقدم الجيش في كردفان ودارفور..
شهدت جبهات القتال خلال الإسبوع الماضي تطورات لافتة.. خصوصاً في محاور كردفان ودارفور.. حيث أحرزت القوات المسلحة تقدماً ثابتاً في عدد من المواقع.. مقابل تراجع واضح للميليشيا التي تواجه سلسلة من الانقسامات والصراعات الداخلية..
تآكل البنية القتالية للميليشيا..وظهور(اصطناعي) باهت لحميدتي..
تعاني الميليشيا من تفككات عميقة في القيادة..وصراعات حول التمويل والغنائم..ما أدى إلى إنحسار قدراتها القتالية وتراجع قدرتها على الإحتفاظ بالمناطق التي كانت تستولي عليها..
وبحسب المعطيات.. فإن الخلافات بين قادة الميدان أصبحت عاملاً مؤثراً في إنهيار العديد من الخطوط الأمامية..
كانت نتيجته ظهور باهت للمتمرد محمد حمدان دقلو..غلبت عليه تقنية الذكاء الإصطناعي بشكل لافت أعلن من خلاله عن الدخول في هدنة من طرف واحد بحجة التدخل الإنساني ربما في محاولة لإستدرار العطف الدولي حتي تتمكن المليشيا من إلتقاط أنفاسها متجاهلة إطلاع العالم علي تفاصيل صادمة حول الإنتهاكات التي جرت في الفاشر وبارا قبل سويعات من إدعاء الإستجابة للهدنة..
الجيش يثبت معادلة جديدة على الأرض..
التقدم العسكري في كردفان ودارفور أعاد رسم معادلة القوة في الحرب..ووضع الجيش في موقع المبادرة بعد شهور من المعارك الضارية..
ويبدو أن استراتيجية الجيش القائمة على استنزاف الميليشيا وضرب خطوط إمدادها بدأت تؤتي ثمارها.. خصوصاً مع إنهيار البيئة الداخلية للميليشيا..
إنعكاسات على مستقبل الحرب..
هذه التطورات تشير إلى أن الحرب تدخل مرحلة جديدة.. قد تُسرع إيقاع الحسم في بعض المحاور.. أو تمهد لمرحلة مفصلية في مسار التفاوض السياسي..
(5)
القاهرة.. ورشة المصارف..اختراق إقتصادي مهم..
في سياق موازٍ للتحولات السياسية والعسكرية..شهدت القاهرة إختراقاً إقتصادياً مهماً من خلال مؤتمر رجال الأعمال السوداني المصري..الذي أنعقد بورش متخصصة هدفت إلى إعادة ربط الإقتصاد السوداني بالمنظومة المالية الإقليمية..
ورشة المصارف.. حجر الأساس..
ورشة المصارف إحدى أهم فعاليات الإسبوع..حيث ناقشت مشكلات التحويلات المصرفية.. ودور البنوك في تمويل الإستثمارات..وآليات إعادة بناء الثقة المالية بين البلدين.. وهي قضايا تمثل جوهر المرحلة المقبلة من إعادة الإعمار..
إعادة تدوير الإقتصاد السوداني..
مثل هذا الحراك الاقتصادي يؤشر إلى بداية تعافي..ولو بطيء..في مسار الإقتصاد السوداني الذي تعرض لإنهيار شبه كامل بفعل الحرب..
وتُظهر مصر رغبة واضحة في دعم هذا المسار..سواء عبر المنشآت المصرفية أو من خلال تعاون رجال الأعمال في البلدين..
خاتمة..
كان هذا الإسبوع واحداً من أكثر الأسابيع ثراءً في المشهد السوداني:
خطاب صادم أعاد ضبط المشهد علي إيقاع إرادة الشعب..
دور سعودي متقدم يتعاظم تأثيره..
عودة قوية لرئيس الوزراء إلى الميدان..
تحولات عسكرية في جبهات القتال..
وأختراق إقتصادي من القاهرة..
هذه العناصر مجتمعة تؤكد أن السودان يدخل مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي والعسكري والإقليمي..مرحلة تحمل الكثير من التحديات.. ولكنها في الوقت ذاته تفتح الباب لإمكانية إستعادة الدولة وأستعادة التوازن في محيط إقليمي متغير..
تسلمنا أحداث الإسبوع إلي مدخل ديسمبر..حيث ترتفع سقوفات التوقع بشأن السودان ومجريات الأحداث وتقاطعاتها بنهاية سنة حملت الكثير من التفاصيل والتحديات والعقبات والإشراقات والبشريات..والأمل في التعافي التام ونهوض الدولة السودانية الجديدة علي أسس مختلفة.






