علي طاولة مجلس الوزراء.. الحوار السوداني – السوداني: الطريق نحو بناء الدولة.. الكرامة-علم الدين عمر

علي طاولة مجلس الوزراء..

الحوار السوداني – السوداني: الطريق نحو بناء الدولة..
الكرامة-علم الدين عمر

الحوار من الداخل..تعقيدات المشهد وتقاطعات الخارج..

القوى السياسية..إختبار التوافق وأستحقاقات الحد الأدنى..

الشمول والسيادة الوطنية.. معادلة إدارة الحوار والحفاظ علي بنية الدولة..

الخارج بين الدعم والمساندة.. وحدود التأثير في المسار السياسي السوداني..
يبدو أن الدولة السودانية بدأت بالفعل في تصحيح مسار طويل من التعقيدات السياسية..وذلك بإعلانها –عبر مجلس الوزراء وخطة حكومة الأمل للعام 2026 – عزمها على إطلاق مسار للحوار السوداني –السوداني.. مسار يقوم على الإرادة الوطنية ويخاطب جذور الأزمة..
ورغم أن السودان شهد عشرات الإتفاقات والمبادرات خلال السنوات الماضية.. فإن الظروف الراهنة – بقدر ما هي مأزومة – تُمهد بصورة منطقية لعملية سياسية جديدة أكثر واقعية ونضجاً..خاصة بعد أن بلغت الحرب ذروة التهتك الوطني ودفعت الجميع إلى إعادة التفكير في مقارباتهم القديمة..
إعلان الحكومة عن ضرورة دعوة القوى السياسية للإنخراط في عملية سياسية شاملة في هذه المرحلة المفصلية.. ومزج ذلك مع أولويات إعادة الإعمار والإستشفاء الإجتماعي وتحريك الإقتصاد..يعكس توجهاً إستراتيجياً.. فالحوار ليس غاية..بقدر ما هو أداة لإعادة بناء السودان نفسه..

(أولاً)..
الحوار من الداخل.. بوابة العبور..

التجارب السودانية السابقة تؤكد أن أي حوار لا ينطلق من الداخل..ولا يُدار من أصحاب المصلحة الحقيقيين.. يظل أقرب إلى وثيقة سياسية تُعلق في الهواء (الوثيقة السياسية التي أفضت لوثيقة دستورية متنازعة الهوي والهوية عقب ثورة 2019) والتي قادت فيما بعد لما يعرف بالإتفاق الإطاري ..والحرب..
ولهذا شددت الحكومة على أن الحوار السوداني لن يتحقق إلا بإرادة السودانيين أنفسهم..وأن الإنطلاقة الداخلية هي التي تمنحه الشرعية والقدرة على الصمود..
هذا التوجه يأتي في في الوقت الذي يتزايد في الإهتمام الدولي بالقضية السودانية.. ولكن الدولة –عبر مؤسساتها الوزارية – تشير بوضوح إلى أنها تريد أن يكون الدعم الدولي في إطار المساندة وليس القيادة عبر التسهيل وتقريب وجهات النظر..

مبدأ السيادة الوطنية..

إن الدعوة إلى إدارة الحوار من الداخل تستند إلى منطق واضح مفاده أن السودانيين وحدهم يمتلكون فهماً حقيقياً لتعقيدات الواقع الإجتماعي والسياسي في السودان وأن أي تدخل خارجي – مهما كانت نواياه – لا يستطيع أن يقترب من تفاصيل الأزمة مثلما يفعل الفاعلون المحليون..

مبدأ الشمولية..

الحوار الشامل لا يعني إستحضار القوى التقليدية وحدها.. بل يعني إشراك القوى السياسية القديمة والجديدة..الإدارات الأهلية وكافة تشكيلات المجتمع المدني..ومبادرات الداخل..والشباب والنساء والنازحين وأصحاب المصلحة المباشرة..هذه الشمولية هي ما يمنح الحوار معناه.. وما يحوله إلى منصة وطنية حقيقية متباعدة عن الصفقات المغلقة ..المتهمة والمحاطة بغلاف من السرية..

(ثانياً)..

القوى السياسية واختبار الحد الأدنى.. فرصة أخيرة أم بداية جديدة؟!!

لقد وصلت القوى السياسية السودانية إلى لحظة مفصلية بعد نيف وثلاثة أعوام من الحرب.. لا تحتمل المراوغات القديمة..
ووفق قراءة رصينة لحالة الساحة السياسية.. فإن الحد الأدنى من التوافق أصبح ضرورة ملحة لأي محاولة جادة تهدف لإخراج البلاد لبر الأمان..
الحرب كشفت هشاشة الأحزاب.. وعمقت الإنقسامات الداخلية.. ولكنها في الوقت نفسه دفعت الجميع إلى الإعتراف بأنه ما من أحد قادر على حكم السودان منفرداً وأن أي ترتيب سياسي لا يستند إلى توافق وطني واسع لن يصمد..

القوى السياسية الآن أكثر جاهزية..

للمفارقة.. وعلى الرغم من حالة التشظي فإن القوى السياسية اليوم أقرب إلى التوافق مما كانت عليه في أي فترة سابقة لثلاثة أسباب رئيسية:

الإرهاق الوطني العام: الحرب أرهقت الجميع.. وجعلت الإستقطاب عبئاً تقيلاً لا يمكن تحمل تبعاته وإلتزاماته المجتمعية..

تآكل الجماهيرية التقليدية:
باتت الأحزاب تدرك أنها تحتاج إلى خطاب واقعي وإصلاح داخلي لاستعادة ثقة المواطنين..

ضغوط القواعد الإجتماعية:
القواعد تريد حلولاً وليس جدلاً سياسياً.. وهذا هو جوهر إختبار الوقت الذي وجدت نفسها في قلب تحدياته..

خلاصة المشهد أن القوى السياسية مهيئة اليوم للتنازل والتوافق.. ليس بدافع الفضيلة السياسية.. بل بدافع البقاء والحفاظ على البلاد..وبحسب الأستاذة سالي زكي القيادية بالحرية والتغيير –الكتلة الديمقراطية فإن مقاربة الحوار الوطني تقوم على ثلاث ركائز تتمثل في كون الحوار ضرورة وطنية وليس ترفاً سياسياً تؤكد سالي أن السودان لم يعد يحتمل إنتظار مبادرات خارجية أو أطر تفاوضية تقليدية..
وتشير إلى أن الحوار الداخلي هو الطريق الوحيد نحو ترتيبات إنتقالية واقعية..
ثانياً الحوار يجب أن يحفظ السيادة الوطنية..

حيث تمضي بوضوح لأن مشاركة المجتمع الدولي مطلوبة ولكن في حدود التمكين التقني والدعم اللوجستي..وليس عبر فرض أجندات أو تحديد أطراف أو رسم نتائج..ثالثاً..
القوى السياسية مطالبة بالتنازل..

تشدد سالي على أن القوى السياسية لن تستعيد ثقة الشارع إلا إذا قدمت تنازلات حقيقية.. وتخلت عن الصراع الصفري.. وتبنت برنامج حد أدنى وطني يركز على:
وحدة السودان
وبناء مؤسسة عسكرية قومية..وإنهاء الميليشيات واستعادة مؤسسات الدولة..وإطلاق إقتصاد منتج..وتأسيس دولة القانون والمؤسسات..
رؤية سالي زكي تعكس جانباً من التحولات داخل القوى السياسية نفسها.. بما يشير إلى وجود إستعداد للتشارك.. ويعطي الحوار المرتقب قاعدة اجتماعية وسياسية أوسع..

(رابعاً)..
الدور الدولي… الدعم مطلوب..ولكن القيادة داخلية..

تمضي سالي لأنه من المهم الإعتراف بالدور الذي لعبه المجتمع الدولي عبر الآليات الأممية والإقليمية.. بما فيها الرباعية (QUAD) في محاولة دفع الأطراف السودانية نحو مسارات سياسية..
ولكن التجربة السودانية أثبتت أن الاتفاقات التي تُصاغ خارجيًا – بلا حضور داخلي قوي – تكون سريعة الإشتعال وسريعة الإنهيار..
لهم الشكر ولكن القيادة يجب أن تكون سودانية..
وهي معادلة ذكية لأنها..تمنح الحوار شرعيته الوطنية..وتطمئن المجتمع الدولي بأن السودان يسير نحو الإستقرار بإرادته وليس عبر الإملاءات والتقاطعات الخارجية..لأن التدخلات تربك العملية السياسية..

هل نحن أمام بداية إستعادة المسار أم نهاية الوضع القديم؟

كل المؤشرات التي صدرت عن إجتماع مجلس الوزراء وخطة حكومة الأمل للعام 2026 تشير إلى أن السودان يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء دولته على أسس جديدة..
الحوار السوداني – السوداني.. إذا تم بشموليته المطلوبة ووفق رؤية وطنية حقيقية..يمكن أن يكون بداية تأسيس لعقد إجتماعي جديد ومنصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع..وبداية لتوحيد القوى السياسية حول مشروع وطني جامع
..إعلانًا عن ميلاد الجمهورية الجديدة التي تقوم على المؤسسات والتدافع السياسي تأسيسا علي الثوابت..
وهي بلا شك خطوة حقيقية نحو إنهاء الحرب والعبور نحو الإستقرار..التحدي كبير..ولكن الإرادة الوطنية – إذا توفر لها المناخ السياسي والأمني والاقتصادي – قادرة على تحويل الحوار من مجرد «عملية سياسية» إلى طريق للخلاص الوطني..خلال فترة وجيزة تستعيد خلالها القوي السياسية قدرتها علي المبادأة والمبادرة وألتقاط نبض الجماهير وصياغة البرنامج السياسي له..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top