آخر الإسبوع
علم الدين عمر
إحاطة رئيس الوزراء وإنهاء مرحلة الإلتباس..
رؤية الدولة أم مبادرة تفاوض؟!! ..
الخرطوم: عودة المؤسسات الاتحادية قوة القرار السيادي..
تفكك المليشيا: إشتباكات.. وتباعد مراكز القيادة..
السياسة والميدان: ملامح مرحلة ما بعد إستعادة المبادرة..
شهدت الساحة السودانية خلال هذا الإسبوع تطورات لافتة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها العام..إذ تزامن وضوح الخطاب السياسي الرسمي مع تحركات ميدانية ذات دلالة سيادية.. في مقابل تصاعد مؤشرات التفكك داخل معسكر التمرد..هذه التطورات في مجملها تشير إلى إنتقال تدريجي من مرحلة الإلتباس السياسي وتعدد الروايات..إلى مرحلة أكثر تحديداً للخيارات والمسارات..
إحاطة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس حول رؤية السودان للحل الشامل للأزمة تجاوزت العرض السياسي..لكونها وظيفة تصحيحية لمسار طالما خضع لتأويلات متناقضة.. غذتها مبادرات غير متسقة وقراءات خارجية حاولت إدراج السودان ضمن مسارات تفاوضية لا تنطلق من شروط الدولة..وفي الإتجاه ذاته..منحت التحركات الميدانية لرئيس مجلس السيادة في الخرطوم هذه الرؤية سنداً عملياً.. عبر إعادة ربط العاصمة بوظائفها الإتحادية..
في المقابل..كشفت الإشتباكات المسلحة داخل مليشيا الدعم السريع..خاصة في نيالا والفولة ومناطق أخرى..عن حالة تصدع داخلي متسارعة..تؤكد أن المليشيا لم تعد تواجه الدولة وحدها.. بل تواجه أزمتها البنيوية من الداخل..
(1)
إحاطة رئيس الوزراء: تثبيت الموقف الرسمي وليس مبادرة..إنهاء مسارات التفاوض المتعددة..
وتكتسب إحاطة رئيس الوزراء أهميتها من كونها أعادت تعريف موقع الدولة السودانية في معادلة الحل..فخلال الأشهر الماضية..جرى التعامل مع السودان إقليمياً ودولياً بوصفه طرفاً ينتظر منه تقديم “مبادرة” أو الإنخراط في مسارات تفاوضية ظرفية..على غرار تجارب إقليمية أثبتت فشلها في إدارة النزاعات المعقدة..
الإحاطة جاءت لتؤكد أن ما طُرح ليس مبادرة تفاوضية..بل هي رؤية الدولة التي تستند إلى ثوابت سيادية سبق أن عبرت عنها قرارات مجلس السيادة والحكومة.. وفي مقدمتها حصر السلاح في يد الدولة.. ورفض أي صيغة تُشرعن وجود قوى عسكرية موازية..
هذا التحديد الواضح أعاد ضبط الإيقاع السياسي..خاصة في ظل محاولات ربط السودان بمسارات تفاوضية متعددة.. بعضها يركز على إدارة الأزمة لا معالجتها جذرياً، كما حدث في نماذج إقليمية قريبة..
(2)
من المبادرة إلى الرؤية: إعادة تعريف إطار الحل..
الفارق بين “المبادرة” و”الرؤية” ليس لغوياً.. بل هو إختلاف في المنهج..فالمبادرات غالباً ما تكون إستجابات ظرفية لتوازنات مؤقتة..بينما الرؤية تضع إطاراً إستراتيجياً للحل.. وتحدد أولوياته وتسلسل مراحله..
تبني الحكومة السودانية لمفهوم الرؤية يعني عملياً أن أي انخراط سياسي أو دولي لاحق سيكون محكوماً بهذا الإطار وليس بديلاً عنه..كما يعني أن التفاصيل الإجرائية مؤجلة إلى مرحلة ما بعد إستعادة الإستقرار..وهو نهج تتبعه الدول التي تسعى للحفاظ على وحدة القرار السيادي أثناء النزاعات الداخلية تفادياً لتعدد مراكز التأثير الخارجي..
هذا الطرح، بطبيعته يقلل من فرص فرض أجندات متباينة.. ويمنح الدولة هامش حركة أوسع في إدارة علاقتها مع الإقليم والمجتمع الدولي..
(3)
الخرطوم : عودة المؤسسات الإتحادية قرار سيادي..
زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لمقار وزارة المعادن.. وزارة الإعلام.. والشركة السودانية للموارد المعدنية في الخرطوم حملت دلالات تتجاوز البعد التفتيشي ..فهذه المؤسسات ترتبط مباشرة بملفات سيادية تتعلق بإدارة الموارد..والخطاب الرسمي..والمال العام..
العودة التدريجية لعمل هذه المؤسسات من داخل العاصمة تشير إلى تقدير رسمي بتحسن نسبي في البيئة الأمنية لبعض المناطق الحيوية.. وإلى رغبة واضحة في تقليص الفراغ الإداري الذي أستثمرته المليشيا خلال مراحل سابقة..
كما تعكس هذه الخطوة إصرار الدولة على أن تظل الخرطوم مركز القرار الاتحادي.. حتى وإن إستمر توزيع بعض الوظائف التنفيذية مؤقتاً لأسباب أمنية ولوجستية..
(4)
وزارة الإعلام: لسان الدولة المؤسسي وليس الناطق الرسمي..
تحمل زيارة وزارة الإعلام بعداً خاصاً في سياق عودة المؤسسات الحكومية للخرطوم ..حيث تحولت مؤسسية الإعلام إلى أحد ميادين الصراع الأساسية..فخلال فترات سابقة..أدى غياب الصوت الرسمي الموحد إلى إتساع مساحة التضليل.. ونشاط منصات غير رسمية روجت لروايات متناقضة حول طبيعة الصراع ومآلاته..
إعادة تفعيل الوزارة من داخل الخرطوم تعني عملياً الإنتقال من حالة الدفاع الإعلامي إلى المبادرة..ولتبدأ إستراتيجية الوزير خالد الإعيسر (كأحد أبرز وزراء حكومة الأمل) في تقوية مؤسسات الإعلام وبنيتها التحتية وكادرها البشري وأنتشارها الرسالي وتوحيد خطابها الموجه للداخل والخارج بما يعزز قدرة الدولة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة واضحة ومنضبطة في الظهور..
(5)
تفكك المليشيا: إشتباكات الداخل كمؤشر إنهيار..
في المقابل..تكشف التقارير الواردة من نيالا..الفولة.. وأجزاء من دارفور وكردفان عن إشتباكات مسلحة بين مجموعات تابعة لمليشيا الدعم السريع نفسها.. هذه الإشتباكات غالباً ما ترتبط بالخلاف حول الجبايات.. السيطرة على الطرق..وتوزيع الموارد..وهي سمات مألوفة في المليشيات التي تفقد قيادتها المركزية..
تكرار هذه الأحداث يؤكد أن المليشيا لم تعد كتلة متماسكة..بل باتت أقرب إلى تجمعات مسلحة متنافسة..يعمل بعضها خارج أي توجيه سياسي أو عسكري موحد..
(6)
تباعد مراكز القيادة: من التنظيم إلى التشظي..
أحد أخطر مؤشرات المرحلة الحالية هو تباعد مراكز القيادة داخل المليشيا.. سواء على المستوى الميداني أو السياسي.. هذا التباعد يضعف القدرة على تنفيذ عمليات منسقة..ويفقد القيادة قدرتها على فرض الإنضباط..
في الأدبيات العسكرية.. يُعد فقدان الإنضباط وتعدد مراكز القرار من أبرز مؤشرات التفكك البنيوي.. وهي مرحلة غالباً ما تسبق إما الانهيار الكامل.. أو التحول إلى مجموعات مسلحة منفلتة ذات طابع إجرامي..
(7)
تلاقي المسار السياسي والميداني..
اللافت هذا الإسبوع هو التوازي بين وضوح الرؤية السياسية للدولة.. وعودة بعض المؤسسات إلى الخرطوم..مقابل تراجع التماسك داخل معسكر التمرد.. هذا التلاقي لا يعني حسم الصراع..لكنه يحد من حالة السيولة السياسية..ويشير إلى أن الدولة بدأت تستعيد زمام المبادرة بعد مرحلة طويلة من الأحتواء ورد الفعل..
أخيراً..
ما يميز هذا الإسبوع ليس كثافة الأحداث.. بل إتجاهها العام.. فالدولة أوضحت رؤيتها..وبدأت في ترجمتها عملياً..بينما تواجه المليشيا أزمتها الداخلية المتفاقمة.. وبين الطرفين.. يتشكل مسار أكثر وضوحاً..وإن كان لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة..يتمثل في قيام الدولة علي رؤيتها وتوسعها في حشد قدر كبير من الزخم السياسي والدبلوماسي والتنفيذي والأمني والعسكري..لتسلمنا لإسبوع آخر من التحديات في المشهد السوداني ربما تكشف نهاياته عن مسار مختلف ومباشر..






