حــدود المنطق إسماعيل جبريل تيسو تجميع الوزارات في أبراج المعادن،، خطوة استراتيجية نحو الخرطوم الحديثة..

حــدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو

تجميع الوزارات في أبراج المعادن،، خطوة استراتيجية نحو الخرطوم الحديثة..
استوقفتني الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى تجمع الوزارات ببرج المعادن في حي المجاهدين بالخرطوم، وهي زيارة ذات دلالات سياسية وإدارية عميقة، تعكس إرادة واضحة لإعادة ترتيب الجهاز التنفيذي وتهيئة مؤسسات الدولة للعودة التدريجية إلى العاصمة، إذ تم تجميع سبع وزارات إلى جانب مجلس الوزراء ورئاسة مجلس الوزراء في موقع واحد، وهي وزارات الثقافة والإعلام والسياحة، العدل، المعادن، الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، الصناعة والتجارة، والتعليم العالي والبحث العلمي، وتمثل الخطوة من حيث الجوهر، معالجة عملية لاختلالات مزمنة في الأداء الحكومي، إذ تختصر المسافات، وتعزز التنسيق البيني، وتقلل الهدر الزمني والمالي، وتمهد لبيئة عمل أكثر انضباطاً وكفاءة، كما أن هذه الخطوة تبعث برسالة طمأنة بأن الدولة حاضرة وماضية في استعادة عافيتها المؤسسية، وأن الخرطوم ما زالت القلب الإداري والسياسي للسودان.

وتتجاوز أهمية تجميع الوزارات في أبراج المعادن بُعدها الإداري المؤقت، لتشكل مؤشراً مبكراً لرؤية أوسع ينبغي أن تحكم مرحلة إعمار السودان، تقوم على تجميع الوزارات في موقع واحد، أو مواقع متقاربة، بعيداً عن الشريط النيلي الذي يجب أن يُعاد تعريفه كفضاء سياحي واقتصادي لا كحزام بيروقراطي مغلق، ففي الدول المتقدمة، تُستثمر ضفاف الأنهار والبحار في الفنادق، والمتنزهات، والمنصات الثقافية والسياحية التي تدر عوائد ضخمة على الخزينة العامة للدولة، قبل أن تمنح المدن هويتها الجمالية، ولعل من المؤسف أن يظل ملتقى النيلين في المقرن، وهو من أندر المواقع الطبيعية في العالم، مجرداً من أي لوحة عمرانية أو مشروع سياحي يليق بمكانته، بينما تُحتل هذه المساحات الثمينة بمبانٍ حكومية يمكن نقلها إلى مواقع أكثر ملاءمة وظيفياً وأقل كلفة اقتصادياً.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة لأن تبدأ “حكومة الأمل” منذ الآن اتصالات جادة مع بيوت خبرة عالمية متخصصة في التخطيط العمراني والإنشاءات، لاختيار موقع نموذجي لبناء مجمع حديث للوزارات ومؤسسات الدولة خارج قلب العاصمة، على غرار ما فعلته عواصم عالمية متحضرة مثل كوالالمبور، برازيليا، وحتى القاهرة في تجربتها مع العاصمة الإدارية الجديدة، لقد أدركت هذه العواصم أن تفريغ وسط المدينة من الوزارات يخفف الضغط المروري، ويتيح إعادة تخطيط الشوارع، وتحديث شبكات المياه والصرف الصحي، وتحويل المراكز القديمة إلى فضاءات اقتصادية وسياحية وثقافية نابضة بالحياة، فالعاصمة الخرطوم، وهي مقبلة على إعادة إعمار شاملة، أحوج ما تكون إلى رؤية مماثلة تعيد بناء شوارعها الرئيسة والفرعية، وتؤسس لبنية تحتية عصرية تواكب تطلعات الدولة والمواطن معاً، ولا ينبغي أن يكون هاجس التمويل عائقاً أمام تبني هذا الخيار الاستراتيجي، إذ إن مشاريع إعادة إعمار ما دمرته الحرب مرشحة بطبيعتها لاستقطاب تمويل واسع من المؤسسات النقدية الدولية وصناديق التمويل الإقليمية والدولية، التي غالباً ما تربط دعمها برؤى تخطيطية حديثة ومستدامة، يضاف إلى ذلك ما يُنتظر من تعويضات عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنيات التحتية جراء تورط دويلة الإمارات في هذه الحرب، بما يجعل من مأساة الدمار فرصة لإعادة البناء على أسس أكثر عقلانية وحداثة، في تجسيد عملي لمعنى «رب ضارة نافعة».

ولا يكتمل الحديث عن هذه الخطوة دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبه الأخ مبارك عبد الرحمن أردول، المدير العام السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، الذي اتخذ قراراً استراتيجياً بشراء برج المعادن ليكون مقراً دائماً للشركة، واضعاً بذلك حداً لنزيف الإيجارات، ومضيفاً أصلاً ثابتاً ومهماً إلى ممتلكات الدولة، وتمتد يد الإشادة لتصافح اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم، بقيادة الفريق إبراهيم جابر إبراهيم، وهي تتخذ قرارها بتحويل أبراج المعادن إلى مقر مؤقت لتجميع عدد من الوزارات، فقد حمل هذا القرار واقعية وحسن إدارة للمرحلة الانتقالية، وتكمن دلالة هذه الخطوة أنها لا تعني تكريس الوضع المؤقت، بل تمثل جسراً واعياً نحو مستقبلٍ تُبنى فيه وزارات جديدة بمواصفات عالمية، يتم الانتقال إليها مباشرة من أبراج المعادن، في انتقال من التدبير الاضطراري إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن إدارة الأزمة إلى تأسيس دولة حديثة تحترم الجغرافيا، وتستثمر الموارد، وتضع المواطن في قلب الخدمة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top