آخر الإسبوع علم الدين عمر: أعلنها مجلس الوزراء بداية هذا الشهر.. العودة للخرطوم.. سطوة المركز أم تحديات الولاية؟!!..

آخر الإسبوع
علم الدين عمر:

أعلنها مجلس الوزراء بداية هذا الشهر..
العودة للخرطوم.. سطوة المركز أم تحديات الولاية؟!!..

الخرطوم بين جهود التعافي وضغط المركز ..هل تعود كما كانت… ؟!!

العودة للعاصمة إعلان سياسي وسيادي بالغ الدلالة..كثير التفاصيل..

خطوة مفصلية.. بعد سنوات من انتقال مركز الحكم إلى بورتسودان..

الكرامة : علم الدين عمر
إعلان وزيرة شؤون مجلس الوزراء أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء ستستأنف أعمالها رسمياً من العاصمة الخرطوم إعتباراً من مطلع يناير الحالي..هو بإمتياز إعلان سياسي وسيادي بالغ الدلالة..كثير التفاصيل.. فالعودة إلى الخرطوم..بعد سنوات من انتقال مركز الحكم إلى بورتسودان.. تمثل خطوة مفصلية في مسار إستعادة الدولة السودانية لعافيتها الرمزية والعملية.. وتعيد طرح سؤال جوهري..هل الدولة جاهزة للعودة إلى مركزها الطبيعي..أم أن القرار سابق لأوانه؟..
من حيث المبدأ..تُعد العودة إلى العاصمة أحد أهم مطلوبات إستعادة مسار الدولة.. وإعادة الإعتبار لمركزية القرار السيادي.. وإنهاء حالة “الإدارة من العاصمة المؤقتة” التي فرضتها الحرب.. غير أن هذا القرار..على أهميته..لا يمكن فصله عن واقع الخرطوم الراهن..العاصمة التي تعرضت بنيتها التحتية ومؤسساتها السيادية والتاريخية لتدمير منهجي واسع النطاق نفذته مليشيا الدعم السريع..في واحدة من أكثر الحملات تخريباً وأستهدافاً لرمزية الدولة في تاريخ السودان الحديث..

مدينة منهكة..وحلم وأستحقاقات السيادة..

الخرطوم اليوم ليست تلك المدينة التي غادرتها مؤسسات الحكم على عجل في الأسابيع الأولى للحرب..وسط العاصمة..بما يضمه من مقار حكومية ووزارات ومؤسسات سيادية.. تعرض لدمار شامل طال المباني.. والأرشيف وشبكات الكهرباء والمياه.. والطرق.. إضافة إلى إستهداف المتاحف والرموز التاريخية والمقار السياسية التي تختزن ذاكرة الدولة السودانية..
هذا الواقع يفرض تحديات معقدة أمام قرار العودة..فاستئناف العمل من الخرطوم لا يعني نقل المكاتب والموظفين فحسب.. بل يتطلب بيئة تشغيل آمنة..وبنية تحتية قادرة على إستيعاب مؤسسات الدولة الاتحادية..وضمان إستمرارية العمل الإداري دون انقطاع أو تهديدات أمنية.. كما يتطلب معالجة آثار التخريب الممنهج الذي أستهدف بوضوح شل قدرة العاصمة على أداء دورها كعاصمة سياسية وإدارية..
وفي المقابل..تشير تقارير ميدانية إلى أن أطراف ولاية الخرطوم – خاصة في محليات مثل كرري وأم درمان وأجزاء من بحري وشرق النيل وجبل أولياء شهدت عودة تدريجية للخدمات الأساسية.. وتحسناً نسبياً واضحاً في الأوضاع الأمنية والخدمية.. وقد عادت أعداد معتبرة من المواطنين إلى هذه المناطق.. مدفوعة بالحاجة..وغياب البدائل..ورغبة طبيعية في استعادة الحياة رغم قسوتها..
غير أن الفجوة بين الأطراف ووسط العاصمة لا تزال واسعة..فالخرطوم المركز.. بما تمثله من ثقل إداري وسيادي..ما زالت تعاني من شلل كبير، ما يجعل سؤال “العودة” أكثر تعقيداً من مجرد إعلان سياسي..

ولاية الخرطوم.. جهود التعافي وضغط المركز..

لا يمكن إنكار الجهود التي بذلتها حكومة ولاية الخرطوم بقيادة الوالي أحمد عثمان حمزة خلال الأشهر الماضية لإعادة تشغيل بعض المرافق الخدمية..وتأمين مناطق واسعة..وتهيئة بيئة تسمح بعودة المواطنين تدريجياً.. غير أن عودة المؤسسات الإتحادية تضع الولاية أمام اختبار أكبر.. يتجاوز إمكاناتها التقليدية.. ويستلزم دعماً إتحادياً إستثنائياً.. سياسياً ومالياً وأمنياً..
فالولاية..التي تحملت عبء الحرب والنزوح والدمار..تجد نفسها مطالبة بتوفير الحد الأدنى من الجاهزية لإستقبال مؤسسات الدولة..في وقت تعاني فيه من شح الموارد.. وتآكل البنية التحتية.. وضغط الخدمات على مناطق محددة دون غيرها..وهنا يبرز سؤال التنسيق بين المركز والولاية..هل ستكون العودة عملية مشتركة.. مخططة.. ومدعومة بموارد واضحة؟!! أم مجرد نقل عبء جديد إلى كاهل ولاية مثقلة أصلًا؟..

إن دعم حكومة ولاية الخرطوم لا ينبغي أن يكون شعاراً.. بل برنامجاً عملياً..يبدأ بإعادة تأهيل المقار الحكومية الحيوية.. وتأمين محيطها.. وإعادة تشغيل شبكات الخدمات الأساسية.. مع وضع أولويات واضحة تميز بين ما هو عاجل وما يمكن تأجيله..

عودة المواطنين..واقع يفرض نفسه..

في موازاة عودة المؤسسات..يفرض ملف عودة المواطنين نفسه بقوة.. فقد عاد عشرات الآلاف إلى أطراف الولاية.. مدفوعين بانخفاض نسبي في حدة التحديات..وتحسن جزئي في الخدمات.. غير أن هذه العودة.. في كثير من الأحيان.. كانت عودة طوعية فرضتها الظروف الإقتصادية القاسية في مناطق النزوح.. أكثر من كونها عودة آمنة ومخططة..
أما وسط العاصمة..فلا يزال يعاني من دمار واسع..وانعدام شبه كامل للخدمات.. وانتشار مخلفات الحرب.. ما يجعل عودة المواطنين إليه محدودة ومحفوفة بالمخاطر..هذا التفاوت يطرح تحدياً إضافياً كيف يمكن إدارة عودة غير متوازنة..قد تعيد إنتاج إختلالات إجتماعية وأمنية خطيرة إذا لم تُضبط بإجراءات واضحة..

هل تعود الخرطوم كما كانت… أم تولد من جديد؟

أخطر ما يواجه قرار العودة..ليس الدمار المادي وحده..بل خطر العودة إلى “الخرطوم القديمة”.. ولاية مترهلة..ممتدة بلا حدود جغرافية واضحة.. بلا ضوابط دخول وخروج..وبلا تخطيط عمراني أو أمني يحميها من الإختراق..تلك العاصمة التي كانت.. في كثير من جوانبها.. بيئة مثالية لتسلل المليشيات..وتراكم الهشاشة.. وتآكل هيبة الدولة..
العودة الحقيقية إلى الخرطوم يجب أن تكون عودة مختلفة.. تؤسس لرؤية جديدة للعاصمة.. تعيد ترتيب الأوضاع الإدارية والأمنية والعمرانية.. رؤية تضع ضوابط واضحة لإدارة المدينة.. وتنظم الوجود السكاني.. وتعيد توزيع المؤسسات.. وتربط بين الأمن والتخطيط.. لا أن تكتفي بإعادة إنتاج الفوضى السابقة..
وهنا تبرز ضرورة وضع ضوابط أمنية وإدارية صارمة..كما يقول خبير تخطيط المدن المهندس محمد طه بلل ..ضوابط تستفيد من دروس الحرب.. وتغلق الثغرات التي نفذت منها المليشيا في إجتياح العاصمة.. فاستعادة المركز دون تأمينه بشكل شامل.. مخاطرة قد تدفع الدولة ثمنها مرة أخرى..

العودة كضرورة سيادية… بشروط واقعية..

رغم كل التحديات.. تظل العودة إلى الخرطوم ضرورة لا غنى عنها لاستعادة مسار الدولة السودانية..وترميم هيبتها..وإنهاء حالة التشظي الإداري والسياسي.. فلا يمكن لدولة أن تستعيد عافيتها وهي تدير شؤونها من عاصمة مؤقتة.. أو تعيش على هامش مركزها الطبيعي..
غير أن هذه الضرورة يجب أن تُدار بعقل بارد..ورؤية إستراتيجية..تتجاوز العجلة رمزية..عودة تدريجية.. مدروسة.. تبدأ بالمؤسسات القادرة على العمل في الظروف الحالية.. وتتوسع وفق جاهزية البنية التحتية والأمنية.. مع تقييم مستمر للمخاطر والتحديات..
إن الخرطوم، وهي تستعد لإستقبال مؤسسات الدولة من جديد..تقف عند مفترق طرق تاريخي.. إما أن تعود كما كانت.. بكل ما حملته من هشاشة واختلالات.. أو أن تُستثمر الظروف لإعادة التأسيس..وبناء عاصمة تليق بدولة دفعت ثمناً باهظاً لتدرك معنى المركز.. وحدود السيادة.. وأهمية أن تكون العاصمة حصناً للدولة.. وليست خاصرتها الرخوة..
في هذا السياق.. يصبح قرار العودة ليس نهاية مرحلة..إنما هي بداية إختبار طويل لقدرة الدولة السودانية على التعلم من الحرب.. وتحويل الكارثة إلى فرصة لإعادة البناء..وتجاوز إنتاج الأخطاء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top