بعد عملية تتبُّع سرية للمخابرات..
اِسترداد “570” قطعة أثرية.. تحصين الهوية الوطنية..
تقرير: هبة محمود
تفاعل واسع مع عودة خزائن وكنوز حضارات السودان القديمة
مديرة المتاحف تصف الحدث بالإنجاز الكبير
المليشيا عملت على محو الذاكرة السودانية ودمّرت المتاحف
بعد ما يقارب الثلاث أعوام من إندلاع الحرب في السودان، تستعد الحكومة السودانية اليوم الثلاثاء، للاعلان عن استرداد مئات القطع الأثرية المنهوبة بواسطة مليشيا الدعم السريع.
خزائن كنوز حضارات السودان القديمة (كوش، نبتة، مروي) يعود بعضاً منها، فيما تتواصل الجهود المشتركة لاستعادة جميع ما غاب ونُهب، لكي تُحفظ الهوية السودانية وتعود للحضارة أمجادها التليدة.
الاسترداد تم في عملية سرية تمثّل اختراقاً مهماً ونوعياً يعزز السيادة الوطنية ويصون الهوية، وفق ما كشف عنه وزير الإعلام والثقافة والسياحة خالد الاعيسر، الذي أعلن أمس عن استرداد “570” قطعة أثرية من الآثار السودانية المنهوبة تغطي الفترة ماقبل التاريخ و حتي الآن.
وأتت عملية الإستعادة في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى حماية التراث الثقافي والحفاظ على الهوية التاريخية للسودان، سيتم الكشف عن تفاصيلها من خلال احتفال رسمي تنظمه وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، بقاعة الربوة بمدينة بورتسودان، اليوم احتفالاً بهذه المناسبة.
عملية تتبُّع سرية
لم تبدأ جهود إستعادة الآثار المنهوبة بسبب الحرب، قبل فترة وجيزة فحسب، لكنها بدأت بعملية تتبّع بصمت وسرية بالتعاون مع جهاز المخابرات العامة قبل أن تثمر عن الجهود المعلنة اليوم.
تفاصيل كثيرة عنوانها استرداد ذاكرة الأمة السودانية، التي عبثت بها أيادي “الجنجويد”، بدأت بجهود متواصلة منذ أكثر من عام، فقد ناقش في وقت سابق وزير الإعلام مع المبعوث السويسري أهمية التعاون البناء، لتتبّع القطع الأثرية المسروقة وضمان استعادتها، لحماية الإرث الثقافي الفريد للسودان، وذلك لما تمتلكه سويسرا من سجل حافل في دعم الدول لاستعادة آثارها المنهوبة.
كذلك القيمة التاريخية الكبيرة للإرث السوداني جعلت منظمة “اليونسكو” تعرب عن قلقها البالغ إزاء التقارير التي تفيد بنهب متحف السودان القومي، وهي التي اطلعت بتنسيق أعمال ترميمه بتمويل من إيطاليا عام 2019م، كل تلك الجهود بالإضافة إلى الجهد الأكبر للأجهزة الأمنية، جعلت السودان يستعيد هذه القطع الأثرية النادر.
إنجاز كبير
وبحسب إخلاص عبد اللطيف، مديرة إدارة المتاحف في الهيئة العامة للآثار،رئيس وحدة الآثار المسروقة، فإن القطع الأثرية التي تم استردادها والاعلان عنها اليوم تمثل قطعاً نادرة، تم العثور عليها قبل 8 أشهر.
وأكدت في تصريح خاص لـ”الكرامة” أن هذه القطع تتمثل في التماثيل الجنائزية، وجزء من تماثيل الآلهة بالإضافة إلى جزء مصنوع من حجارة الجرانيت وجزء من الآلهة المصنوعة من البرونز.
واعتبرت استرداد هذه القطع يعد إنجازاً كبيراً من إنجازات الأمن الإقتصادي وخطوة كبيرة، مؤكدة أنه تم التكتُّم على العملية في إطار هيئة الآثار والأمن الاقتصادي فقط.
وقالت إن هذه العملية بأكملها تنسب للأمن الإقتصادي واجتهاداته ومتابعته اللصيقة للاثار لحين العثور عليها، لكنها تمسّكت بالمقابل عن الإفصاح في الدولة التي تم العثور فيها على هذه الآثار، لحين الإفصاح عنها علنا اليوم من قبل جهاز الأمن.
وفي سياق العدد الكلي للآثار المنهوبة أكدت إخلاص أنها نحو “4000” قطعة أثرية من جميع المتاحف في السودان
ولفتت إلى أن عدد القطع الذهبية في غرفة الذهب التي تم نهبها تفوق ايضا الـ”4000″ قطعة وجميعها من الذهب الخالص ومن أعلى عياراته.
استهداف منهجي للهوية
وأمس قال وزير الإعلام خالد الإعيسر أن مليشيا الدعم السريع و أعوانها داخل السودان وخارجه قامت باستهداف منهجي للهوية الوطنية عبر محاولات الإحلال والإبدال وإحداث تغييرات ديموغرافية، إلى جانب السعي لمحو الذاكرة الإنسانية المتراكمة عبر التاريخ، بما تحمله من ثقافات وإرث مجتمعي وآثار وطنية قبل أن يتم تحصين السيادة الوطنية.
تساؤلات وتفاعل
ومع التفاعل الكبير الذي صاحب الإنجاز برزت تساؤلات كثيرة حول توقيتات قيام الاحتفالية في مدينة بورتسودان في الوقت الذي عادت فيه الحكومة إلى ولاية الخرطوم، مع مقترحات بأن يتم الاحتفال داخل ولاية الخرطوم ومن داخل المتحف القومي إذ أن كل القطع المستردة الآن تابعة له.
وتتفق مع تلك المقترحات المطروحة إخلاص عبد اللطيف، مديرة إدارة المتاحف في الهيئة العامة للآثار، رئيس وحدة الآثار المسروقة، التي أكدت لـ”الكرامة” أن القطع المستردة سيتم ترحيلها إلى المتحف القومي مباشرة.
بدوره لم يفصح الوزير خالد الاعيسر عن إختيار بورتسودان مكان للإحتفال بدلاً عن الخرطوم، لكنه أشار إلى أن الاحتفالية اليوم تأتي في ختام أنشطة وزارته ببورتسودان، تحت شعار “ختامه مسك”، تأكيداً على أن الآثار ليست مجرد شواهد من الماضي، بل جذورٌ للهوية وحقٌّ أصيل للأجيال القادمة”.
وتعرّض المتحف القومي السوداني في الخرطوم لاخطر عمليات نهب وتدمير واسعة، عرفتها الدول منذ إندلاع الحرب منتصف أبريل 2023، اذ تم سرقة وفقدان غالبية المحتويات، بما في ذلك القطع الأثرية والمقتنيات النادرة.
كارثة غير مسبوقة
وفي مقابلة سابقة مع “الكرامة” أعتبرت مديرة الهيئة القومية للآثار و المتاحف في السودان غالية جار النبي، إن ماحدث داخل متحف السودان القومي يعتبر كارثة إنسانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وقالت أن ما جرى يمكن تصنيفه بأنه كارثة لم تحدث من قبل في أي بلد حتى مقارنة مع البلدان التي حدث فيها دمار مثل سوريا أو العراق، حيث أن مرحلة الدمار التي حدثت في المتاحف السودانية خاصة متحف السودان القومي الذي يعتبر هو المستودع لكل الآثار في السودان، لم تحدث من قبل.
وأكدت جار النبي أن الدعم السريع قام بالاستيلاء على ذهب مملكتي ( نبتة) و (مروي)، هو عبارة عن كميات كبيرة من المصوغات والحلى الذهبية والأواني، لافتة إلى أن الجهود قائمة ومبذولة لاستعادة ما تم نهبه.






