رحلت في يوم حزين عقب معاناة مع المرض..
بلقيس عوض…الوداع الاخير.!
أحمد دندش:
وُلدت على الأرض التي أنشئت عليها قاعة الصداقة بالخرطوم
هلالابية على السكين…تقرأ لآمال عباس وشجرابي والرأي العام واليوم التالي
دخلت في معركة مع فجر السعيد بسبب عشقها للوطن
كانت بلقيس أول ضابطة جمارك بالسودان
التضامن الواسع وحالة الحزن العام التي عمّت السوشيال ميديا عقب تسرب صورها قبيل أشهر وهي غارقة في الدماء بعد سقوطها بسبب المرض، كان طبيعياً، فهي (أم الكل) وسيدة المسرح والدراما في السودان، مما استوجب كل ذلك الحب الممزوج بالقلق والغضب لتجاهل رمز مثل بلقيس عوض التي رحلت أمس بمستشفى الشرطة بدنقلا عقب معاناة مع المرض.
(١)
ولدت الراحلة بالخرطوم عام 1946م، وتُعد من الشخصيات الرائدة في مجالات متعددة، إذ كانت أول امرأة تعمل ضابطة جمارك في السودان عام 1965م، وأول ممثلة تؤدي بالفصحى في الإذاعة السودانية، وقدمت الراحلة خلال مسيرتها عدد من الأعمال الدرامية المميزة والمدهشة ابرزها: “أقمار الضواحي”، “آخر قطار”، “سكة الخطر”، “بنت المدير”، “قطر الشمال” و”سكة ضياع”، التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية السودانية.
(٢)
نشأت الراحلة في بيئة ثقافية أسهمت في صقل موهبتها وتشكيل وعيها الفني ،وتلقت تعليمها الابتدائي بمدارس البعثة المصرية في الكلية القبطية للبنات، قبل أن تواصل دراستها الجامعية بجامعة النيلين، وعُرفت الراحلة بالالتزام والانضباط وحسن السيرة، إذ جمعت بين الخدمة الوطنية والعمل الإبداعي، لتبقى واحدة من الأسماء المضيئة في تاريخ الفن السوداني، ورمزاً للريادة النسوية في مجالي الدراما والعمل العام.
(٣)
يتردد أن ميلاد بلقيس عوض كان في نفس الموقع الذي تم فيه إنشاء قاعة الصداقة حالياً، وهي مفارقة غريبة جداً، فقد ولدت الراحلة على ذات الأرض التي انشئ فيها أكبر صرح ثقافي، وكأنما بالزمن يريد أن يؤكد أن الإرتباط مابين الأرض والموهبة هو شئ يمكن أن يتحقق.
(٤)
عن حياتها تحكي بلقيس في عدد من الحوارات وتقول: (أنا أول ضابطة جمارك، ولم تكن لي علاقة بالمسرح من حيث الدراسة لأنني درست في كلية الآداب قسم علم النفس)، وتواصل : (دراما على الهواء قدمني للجمهور في العام 1964م وكان بالأبيض والأسود)، وتواصل بلقيس في السرد: (كنت لاعبة طائرة متميزة للغاية ولم أمارس كرة القدم)، وتواصل: (أي ممثل ينبغي أن يمارس الرياضة فطبيعة العمل الدرامي شاق)، وعن ميولها الرياضي تعترف بلقيس:( اشجع الهلال وأعشقه بشدة)، وتضيف: (أنا معجبة جداً بطارق أحمد آدم ومنقستو)، أما عن ميولها الفني تحكي بلقيس وتقول: (يطربني العملاق إبراهيم الكاشف له الرحمة والأستاذ الراحل أحمد المصطفى وآمال النور).
(٥)
الراحلة بلقيس عوض مثقفة جداً ومطلعة على عدد من الصحف في مقدمتها: (اليوم التالي والرأي العام وصحيفة قوون الرياضية)، وهي تقرأ باهتمام لكل من آمال عباس وشجرابي).
(٦)
للراحلة بلقيس عوض ذكريات وحكايات في كل مناطق السودان، لكن ذكرياتها عن دارفور تحديداً كانت مختلفة حيث أبدت في وقت سابق إعجابها الكبير بإقليم دارفور، وذلك بعد الزيارة التي سجّلتها لدارفور في رحلة عملية في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وتقول بلقيس: (عندما زرت دارفور شعرت بروعة المشهد ووجهت سؤال للذين من حولي: لماذا لم يكتب الشعراء في جمال دارفور؟ فقال لي أحدهم: لقد كتب شاعر قصيدة في دارفور، وأخذ يقرأ علي أبيات القصيدة حتى وقف في بيت شعر يقول: (الجمال في دارفور يفوق وصف البشر)، وفعلاً الجمال في دارفور يفوق وصف البشر، ويفوق حد الوصف).
(٧)
الراحلة بلقيس عوض كانت من المتعصبات جداً للوطن، وكانت تدافع عنه بشراسة في أي محفل، ولازال الجميع يذكر ردها القوي على الكاتبة فجر السعيد حيث ردت على إساءتها للسودان قائلة: (عندنا في السودان الملكة أماني شخيتو التي ردت على ملك الرومان عندما أبرقها بنيته احتلال السودان فقالت له (يا قرصان لن تطأ أرض السودان.. وإذا كنتم أنتم قراصنة البحر.. فنحن ملوك الأرض) وجهّزت جيشاً عرمرم وذهبت به إلى أسوان وأمرت الجيش ألا يقتل قسطنطين قائد الجيش اليوناني وطالبت به حياً) وتواصل الممثلة الكبيرة الحكاية بنبرات غاضبة وتقول: (لكن قائد الجيش اليوناني قُتل في الحرب، فيا ترى (تسأل بلقيس): هل تعرف فجر السعيد الملكة أماني شيختو، إننا شعب لا نوثّق لعظمائنا مثل ما تفعل الشعوب الأخرى)، وتضيف في ختام حديثها: (بلد مثل السودان وطأ أرضها الصحابي الجليل إبن أبي السرح وبنى بها مسجداً، ووصف رجالها بأنهم رماة الحدق لمهارتهم في رمي القوس، كيف للسعيد أن تجهلها وكيف تجهل شعبها، السودان الذي يرفع له الإنجليز القبعة احتراماً وتقديراً، لأنهم خبروه وخبروا شعبه ووصفوه بأنه أرقى شعوب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس من الهندي إلى الأطلسي، عندما قامت ثورة أكتوبر وتحدث عنها أهل أوربا قال لهم الإنجليز هذا هو الشعب المعلم) هذه بعض من محطات العطاء الوافر للراحلة المبدعة بلقيس التي ودّعت الدنيا ورحلت بالأمس تاركةً إرثاً إبداعياً لايندثر.






