يُحتفل به في مختلف بقاع العالم.. اليوم العالمي للراديو.. حين يتكلّم الجميع بصوتٍ واحد.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

يُحتفل به في مختلف بقاع العالم..

اليوم العالمي للراديو.. حين يتكلّم الجميع بصوتٍ واحد..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

ذكرى حزينة ل”هنا أم درمان” بالتدمير الكامل لمبانيها بفعل المليشيا

مازالت فاجعة رحيل صلاح الدين الفاضل، تُخيِّم على حوش الإذاعة

إشادة باستعادة البث من أم درمان ومطالبات بإعادة البناء

يحتفي الإذاعيون في مختلف بقاع العالم في هذه الأيام، بـاليوم العالمي للراديو (الإذاعة)، الذي يوافق الثالث عشر من فبراير، وهو التاريخ الذي أُختير تزامناً مع ذكرى إطلاق إذاعة الأمم المتحدة في العام 1946م، وتأتي المناسبة تقديراً للدور العميق الذي لعبته هذه الوسيلة المسموعة في نقل المعرفة، وتعزيز الحوار، وإيصال الصوت إلى أبعد نقطة يمكن أن تصلها موجة.
احتفالية وتضامن
لقد بدأت فكرة الاحتفال باليوم العالمي للإذاعة بمبادرة من الأكاديمية الإسبانية للإذاعة، التي تقدمت بالمقترح عبر الوفد الدائم لإسبانيا لدى منظمة اليونسكو خلال الدورة (187) للمجلس التنفيذي في سبتمبر 2011م، وأقرت اليونسكو المبادرة في الثالث من نوفمبر 2011م خلال دورتها السادسة والثلاثين، معلنة يوم 13 فبراير يوماً عالمياً للإذاعة، وفي ديسمبر من العام 2012م، اعتمدت الجمعية العامة لـ الأمم المتحدة القرار رسمياً، ليصبح يوماً تحتفي به وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها وشركاؤها في مختلف أنحاء العالم، كما شجعت الجمعية العامة المحطات ذات الإمكانات والخبرة على تقديم الدعم اللازم للمحطات الناشئة، تأكيداً على روح التضامن الإعلامي وتعزيزاً لحرية التعبير وتعددية الأصوات.
ذاكرة الإنسانية
لقد تجاوزت الإذاعة محطة كونها مجرد اختراع تقني، لتكون بمثابة ثورةٍ في إدراك البشر للصوت والزمن، فمنذ بدايات القرن العشرين، تحولت الموجات الأثيرية إلى جسورٍ خفية تعبر البحار والصحارى، وتنقل الأخبار والآمال والأغاني، ويمثل اختيار 13 فبراير استدعاءً لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين أرادت البشرية أن تؤسس عالماً يقوم على الحوار لا المدافع، فجاءت إذاعة الأمم المتحدة صوتاً للسلام، ومن ثم صار هذا اليوم تذكيراً بأن الميكروفون قد يكون أحياناً أقوى من السلاح، وأن الكلمة حين تُبث بصدق، تصبح شريكاً في صناعة التاريخ.
هنا أم درمان..صوت الوطن
وتُعد الإذاعة السودانية (هنا أم درمان) التي تأسست في العام 1940م، ركيزةً أساسية في تشكيل وتوحيد الوجدان السوداني، فمنذ أربعينيات القرن الماضي، كانت الإذاعة السودانية ساحةَ لقاءٍ معنوي بين أطراف البلاد، ومختبراً لصياغة الشخصية الوطنية، ارتكازاً على دورها في توحيد الوجدان عبر الأغنيات الوطنية والدراما الإذاعية التي لامست القلوب قبل الآذان، وشكَّلت ( هنا أم درمان) منصةً للوعي والثقافة، وأسهمت في نشر الوعي وترقية الثقافة المحلية وصون التراث، ولعبت دوراً في تعزيز الهوية الوطنية، من خلاله ما قدمته من عادات وتقاليد لمختلف المكونات السودانية، فخلقت حالة من التآلف والتماسك، وربطت الإذاعة الأطراف، ووصلت إلى المناطق النائية حين كانت الطرق مقطوعة والبنية التحتية محدودة، وتمثِّل الإذاعة ذاكرة الأمة من خلال ما وثّقته من تاريخ البلاد، وما حفظته من تسجيلات نادرة تحفظها، لتتجاوز الإذاعة السودانية مفهوم البث، وتصبح أداة لبناء الوعي القومي وصيانة الهوية، وصهرت التعدد الثقافي والعرقي في إطار وجداني واحد.

ذكرى مثقلة بالأحزان
وتمر هذه المناسبة هذا العام، والإذاعة السودانية يخيّم عليها حزن عميق، بعد أن تعرضت مبانيها للتدمير الكامل، بسبب ميليشيا الدعم السريع التي كانت تتخذ من الإذاعة ثُكنةً عسكرية، وسجنٍاً اُعتقل فيه مئات المدنيين، ولم يسلم أرشيف الإذاعة الضخم الذي طالت يدُ التخريب جزءً منه، وهو أرشيف يمتد لأكثر من 72 عاماً، ويضم كنوزاً من التسجيلات البرامجية والأغاني والدراما والوثائق التاريخية، كانت محفوظة ضمن نظام إلكتروني يشكل بنكاً صوتياً لآلاف الساعات، هكذا، لم يُستهدف مبنى من الطوب والإسمنت فحسب، بل استُهدفت ذاكرة وطنٍ بأكمله.

رحيل فن الرؤية عبر الأذن
وقبل نحو ثلاثة أسابيع، فُجعت الإذاعة السودانية بفقد أحد أعمدتها الكبار، بروفيسور صلاح الدين الفاضل، الذي رحل بالقاهرة، تاركاً إرثاً إبداعياً ضخماً، فهو صاحب نظرية (فن الرؤية عبر الأذن)، وهو الذي مدّ زمن بث الإذاعة لتعمل على مدار الساعة بعد أن كانت تتوقف عند الواحدة صباحاً، كان خيال الفاضل واسعاً، ورؤاه جريئة، وعقليته الإخراجية مبتكرة، بصم على أعمال درامية خالدة مثل: خطوبة سهير، الحراز والمطر، المنضرة، حكاية نادية، كلام رجال، وغيرها من الأعمال التي شكّلت ذاكرة سمعية جمعية، كما ابتكر برامج راسخة في وجدان المستمعين، في مقدمتها فترة المنوعات المفتوحة التي ينتظرها الكثيرون يومياً في نهارية شهر رمضان المعظم.
دعوة لإعادة البناء
وأعرب الخبير الإذاعي الدكتور عبد العظيم عوض، المدير الأسبق للبرنامج العام، عن أسفه العميق لما آلت إليه أوضاع الإذاعة عقب التدمير الذي طالها بيد ميليشيا الدعم السريع، وترحم على روح بروفيسور صلاح الدين الفاضل المدير الأسبق للإذاعة السودانية، وعلى عدد من الزملاء الذين فقدتهم الإذاعة خلال الحرب، وأكد دكتور عبد العظيم في إفادته للكرامة، أن ( هنا أم درمان) لعبت دوراً محورياً في توحيد وجدان السودانيين، وأشاد في هذا الصدد بإعادة تشغيلها من استديوهاتها في أم درمان، لما تمثله من رمزية وطنية، أسوةً بالتلفزيون، وقناة النيل الأزرق، وشدد دكتور عبد العظيم على ضرورة أن تتم عملية إعادة بناء الإذاعة وتشييدها وفق أحدث طراز معماري وتقني، لتبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا من حيث توقفت.

خاتمة مهمة
على كلٍّ،، فإنه في ذكرى اليوم العالمي للإذاعة، يتذكر العالم كيف يمكن للصوت أن يكون جسراً للسلام، ووعاءً للثقافة، ومرآةً للهوية، وفي السودان، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال، لتصبح وقفة تأمل في معنى أن تُدمَّر الذاكرة، ومعنى أن يُعاد بناؤها، ذلك أن الإذاعة علاقة وجدانية بين وطنٍ وأبنائه، قد تهدم الحرب جدرانها، لكنها لا تستطيع أن تمحو الأثر الذي تركته في الضمائر، وكما انطلقت موجاتها الأولى قبل أكثر من ثمانية عقود، ستعود، حين تتعافى البلاد، لتقول من جديد: هنا أم درمان… هنا السودان.. هنا الصوت الذي لا تخطئه الآذان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top