حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
وللزراعة أسرار
(1)
في مقال الأمس ومن خلال الثلاثة نماذج التي ذكرناها …مصطفى سيد أحمد والوالد وشخصي الضعيف.. قلنا إن المشتغلين بالزراعة علاقتهم بالأرض لا تحكمها المصلحة المادية المباشرة …بل بمرور الزمن تتطوّر إلى علاقة حب … لأنهم دفنوا فيها جزء من حياتهم وكثير من ذكرياتهم …ولعل ما يثبت ذلك قوله سبحانه وتعالى عن الأنعام (ولكُم فيها جمالٌ حين تُريحونَ وحين تَسْرَحون) الآية ..فهنا علاقة الراعي أو المربي تجاوزت الفائدة المادية التي يجنيها من البهائم الي علاقة غير محسوسة ….فالإنسان لا يتحرّك تأسيساً على المحسوسات بل هناك الكثير من المحرّكات المعنوية التي تتحكم فيه ..فعلاقة الزارع بالأرض تسموا فوق الماديات …
(2)
تأسيساً على هذا السمو فوق الماديات المشار إليه في الفقرة أعلاه… فإن المزارع لن يترك أرضه بوراً إذا حان وقت زراعتها ..ويسعد كثيراً أن يرى البذرة تنمو وتشق قشرة الأرض صاعدة إلى أعلى… ويظل وفياً لها بمختلف ألوانها من خضراء إلى صفراء جاهزة للحصاد … وبعد كنس مخلفات المحصول تعود الأرض بوراً بلقعاً وتظل حالة الحب كماهي…. فأساس الحب الأرض وليس الزرع وحده …والحب للأرض يُترجم في زراعتها ..ومن العيب أن تترك أرضك بوراً في موسم الزراعة ..عندما يقال فلان حواشته بايرة كأنما قيل ولده صعلوك أو بنته مطلوقة .. وهذا مؤثر ثقافي إضافي لزيادة الارتباط بالأرض …إذن يا جماعة الخير ارتباط الزارع بالأرض يتخذ عدة أشكال فهو عقلاني “مادي ” وروحي ونفسي …بالطبع هناك تفاوت بين البشر ..فبعضهم يحمل الحزمة كلها… وبعضهم يغلّب العقلاني… وبعضهم يغلّب العاطفي وهكذا …
(3)
والشاهد على ما تقدّم بمجرّد ظهور مقدّمات موسم الأمطار في حالة الزراعة المطرية…. ونزول الماء في القنوات في حالة الزراعة المروية …حمل المزارعون أدواتهم واتجهوا إلى أراضيهم “العنده والما عنده” وشعارهم نعمل العلينا وبعدين الله كريم …بعضهم زرع بالحد الأدنى من التحضير …وبعضهم لم يحضر أساساً… لابل وبعضهم لم يجد حتى ماء القنوات نتيجة لعدم صيانتها …فالتحضير هذا العام نار الله الموقدة فأسعار الجازولين فرضت عليها الدولة ما لايُطاق من الضريبة ..المدخلات من تقاوي محسّنة ومخصّبات ومبيدات ..لايطيقها الا القلة القليلة … وسوف تظهر لنا نتائج كل هذه الخيبات في موسم الحصاد …خلاصة قولنا هنا إن المزارع ذهب أو سوف يذهب إلى حواشته… وسوف يزرع بما لديه من إمكانيات محدودة…. والدولة من جانبها نازلة فيه بالجنبة الفيها الحديدة …أها تاني تقولي شنو ؟وتقولي لي منو ؟
كسرة …
من لديه معلومات عن كيف تدعم الدولة الزراعة في مصر وفي إثيوبيا …وفي هذه الأخيرة تضاعف إنتاج القمح فيها ثلاثة أضعاف في الموسم الماضي… في يوغندا حتى اللاجئين السودانيين الذين زرعوا الذرة الشامية والفاصوليا دبت الحركة في جيوبهم ..المهم من كانت لديه معلومات حول سياسات الدولة الزراعية في تلك البلدان … اتمنى ألا يذكرها لمزارع سوداني .






