استشهد في أرض المعركة بعد ان رفع تمام التحام “سلاح المدرعات بالقيادة ”
الشهيد عوض الكريم أبو شنب.. قائد المعارك الفاصلة
استشهد وهو صائم وسط نيران الحرب التي لم تزده إلا عزماً وإصراراً
بطل بلا تراجع.. أسد المدرعات يقود النصر حتى لحظة ارتقائه شهيداً
من أبناء منطقة شبشة بالنيل الابيض و فارس الدفعة( 48)
رجل لا يهاب الموت وقائد لا يعرف التراجع
تحرير جبرة والسجانة والخرطوم 3.. محطات من مسيرة أبو شنب
التحام المدرعات بالقيادة.. الإنجاز الأخير للعقيد قبل استشهاده..
سدد فاتورة الوطن بدمه”.. العقيد أبو شنب أسطورة الدروع السودانية..
الكرامة :رحمة عبدالمنعم
في ساحات القتال حيث تُصنع الملاحم وتُروى البطولات بدماء الشهداء، كتب العقيد الركن عوض الكريم موسى أبو شنب اسمه في سجل الخالدين، وهو يسطر آخر فصول حياته مجاهداً في سبيل الوطن، يقود معركة التحام سلاح المدرعات بالقيادة العامة للجيش. استشهد وهو صائم، وسط نيران الحرب التي لم تزده إلا عزماً وإصراراً، ليكون استشهاده إيذاناً بمرحلة جديدة من الانتصارات، بعد أن أنجز المهمة المستحيلة، وأعاد وصل ما انقطع بين أهم قلاع الجيش في الخرطوم.
قائد الدروع
وُلِد الشهيد العقيد الركن عوض الكريم موسى أبو شنب في ولاية النيل الأبيض، بمنطقة شبشة، ونشأ على قيم الفداء والانتماء للوطن، تخرج من الدفعة (48) بالكلية الحربية السودانية، وانضم إلى سلاح المدرعات، حيث صقلته التجارب العسكرية ليصبح أحد أبرز ضباط الاستخبارات في الجيش، يتمتع بحس أمني نادر وقدرة فائقة على التخطيط والقيادة الميدانية.
كان الشهيد في طليعة معارك الجيش لاستعادة السيطرة على المناطق الاستراتيجية بالخرطوم، حيث قاد وحدات سلاح المدرعات في محور السجانة بجنوب غرب العاصمة، ونجح في تحرير احياء منطقة جبرة وسك العلمة و كوبري الحرية بعد سحق وتدمير قوات المليشيا التي كانت تتحصن فيه، كما تمكنت قواته من تحرير أبراج النيلين والخرطوم 3 ، وفرضت سيطرة الجيش على موقف شروني الحيوي، مطاردة عناصر المليشيا وطردها من داخل الأعيان المدنية.
عراب الانتصارات
لم يكن العقيد الركن عوض الكريم أبو شنب قائداً عادياً، فقد كان جسده ينزف من جراح الحرب، لكنه أبى إلا أن يكون في المقدمة، أصيب في بداية المواجهات عندما كان يقاتل في مدرع الباقير، وتم نقله إلى مستشفى مدني للعلاج، إلا أنه تسلل خلسة، رغم قرار الأطباء ببقائه تحت الرعاية الطبية، والتحق بمتحرك الشهيد أيوب الذي كان متجهاً نحو مدرعات الشجرة.
هذا الإصرار الفريد جعله أيقونة للفداء، فقد عاد إلى خطوط القتال قبل اكتمال شفائه، كأنما كان يسدد فاتورة الوطن بدمه وعرقه، استمر في قيادة العمليات العسكرية رغم خطورة المعارك، وخاض مع رجاله معركة مجمع الرواد السكني، ونجح في دحر المليشيا من مسجد عبد الحي يوسف، متقدماً نحو السوق العربي، ليحقق بذلك سلسلة انتصارات ميدانية حاسمة.
التحام المدرعات بالقيادة
كان استشهاد العقيد الركن عوض الكريم أبو شنب بمثابة الخاتمة لمسار طويل من البطولات، حيث قاد بنفسه معركة التحام سلاح المدرعات بالقيادة العامة، وهو التحام شكّل تحولاً استراتيجياً في مسار المعركة، إذ فتح الطريق أمام الجيش لتعزيز مواقعه ومدها بالأسلحة الثقيلة، وإعادة ترتيب قواته نحو عمليات تطهير واسعة تشمل جنوب الخرطوم، اليرموك، معسكر الاحتياطي المركزي، ومعسكر طيبة، وصولاً إلى جبل أولياء ،كما مهّد التحام المدرعات بالقيادة لحصار القصر الجمهوري ومقر الاستراتيجية، وفتح الطريق نحو تنظيف مطار الخرطوم، وتأمين جسر المنشية.
لم يكن هذا الإنجاز مجرد انتصار عسكري، بل كان شهادة على عزيمة الرجال الذين رفضوا الاستسلام، وكسروا الحصار المفروض على سلاح المدرعات، ليعيدوا التوازن إلى ساحة القتال ،لقد أدرك العقيد الركن أبو شنب أن هذا التحام لم يكن مجرد التقاء قوات، بل كان إعادة رسم لخطوط المعركة بما يضمن دحر العدو واستعادة السيطرة على أهم النقاط الاستراتيجية في قلب الخرطوم. وبفضل هذا الإنجاز، تحررت مواقع كانت تشكل معاقل رئيسية للمليشيا، وبدأ الجيش في تنفيذ عمليات أوسع، ممهداً الطريق لمرحلة جديدة من المواجهات تُحكم الخناق على التمرد وتقرب ساعة الحسم.
قائد المعارك الفاصلة
وفي ذروة احتدام المعارك، وبين أزقة جبرة ومبانيها الشاهقة التي تكاد تحجب الرؤية، كان العقيد الركن عوض الكريم أبو شنب يتقدم صفوف قواته، يختار لنفسه أصعب المحاور، ويقود رجاله من نصر إلى نصر، لم يكن يتحدث كثيراً عن النصر، بل كان يصنعه بيده، بجرأته الفريدة وحسه الأمني الاستثنائي، وقدرته على قراءة تحركات العدو وإحباط مخططاته قبل أن تتحول إلى واقع.
لقد كانت معركة التحام المدرعات بالقيادة العامة، والتي قادها حتى لحظة استشهاده، تحولاً حاسماً في مسار الحرب، إذ لم تكن مجرد عملية عسكرية عادية، بل كانت كسراً للحصار الذي استمر لأشهر طويلة، وإعادة ترتيب لموازين القوى في الخرطوم. كان يدرك أن التحام المدرعات بالقيادة يعني تعزيز خطوط الجيش، واستعادة المبادرة، وفتح الطريق نحو عمليات تطهير واسعة تمتد من وسط الخرطوم إلى جنوبها، ومن ثم الانطلاق لاستعادة المواقع الاستراتيجية التي سقطت بيد المليشيا.
خطوط المواجهة
رغم الإصابات التي لحقت به في معارك سابقة، رفض أن يكون بعيداً عن ساحة القتال، وعاد إلى خطوط المواجهة قبل اكتمال شفائه، في مشهد يعكس عمق انتمائه للوطن وروحه الفدائية، كأنما كان يسدد فاتورة الوطنية بدمه وعرقه، مدركاً أن جرح الوطن أشد إيلاماً من جراح الجسد، لم يكن يبحث عن مجد شخصي، بل كان همه الأول هو دحر العدو وتحرير السودان من قبضة المليشيا، ليبقى اسمه محفوراً في سجل القادة الذين لم يعرفوا التراجع، ولم يهابوا الموت، بل استقبلوه مقبلاً غير مدبر.
رحل “أسد المدرعات”، لكنه لم يترك فراغاً، بل ترك إرثاً من البطولة والتضحية، ومساراً واضحاً لمن يأتي بعده، ليكمل المسيرة حتى النصر،وكما قيل عنه: “لا يعلم أسرار الرجال في الفداء إلا من جاورهم في الوغى”. كان استشهاده لحظة فارقة، لكنه أيضاً كان لحظة ميلاد جديدة للمعركة، حيث أصبحت دماؤه وقوداً لمزيد من الانتصارات، ورسالة واضحة أن السودان لا يمكن أن يُؤخذ عنوة، طالما أن فيه رجالاً على شاكلة العقيد الركن عوض الكريم أبو شنب.






