بعد مسيرة عامرة بالأسرار والتحولات الكبيرة .. الفاتح عروة .. وترجل فارس “الامن والدبلوماسية”..

بعد مسيرة عامرة بالأسرار والتحولات الكبيرة ..

الفاتح عروة .. وترجل فارس “الامن والدبلوماسية”..

الفريق الفاتح عروة يغادر الدنيا بعد صراع مع المرض..

من “العزبة بنين” إلى مجلس الأمن الدولي…

في أول دفعة خرّجها نميري…تلقى سلاحه من يد رئيس دولة…

ابن وزير الداخلية يتحول إلى مستشار للأمن القومي…

مع صمت الدبلوماسيين وانضباط العسكريين.. مسيرة لم تنكسر بالمنفى أو التقاعد..

.عندما اقترح السودان تسليم بن لادن… عروة يكشف ما دار في الغرف المغلقة

روى أسرار المحطات الحرجة.. كواليس القذافي ومبارك والقرن الأفريقي

رجل التوازنات الاقليمية وأطول سفراء السودان لدى الأمم المتحدة

من جهاز الأمن إلى “زين السودان”… ملفات الدولة وموازنات السوق

الكرامة :رحمة عبدالمنعم
غيب الموت، امس الأربعاء، الفريق الفاتح محمد أحمد عروة، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب السابق لشركة “زين السودان”، والدبلوماسي المعروف والمستشار الأمني الأسبق، وذلك بعد معاناة طويلة مع المرض في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يقيم في السنوات الأخيرة، وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي سيلًا من التعازي ونعي واسع من رموز سياسية ودبلوماسية وإعلامية ومجتمعية، استذكروا من خلالها الأدوار الكبيرة التي اضطلع بها الفقيد في مجالات الأمن والدبلوماسية والاتصالات، عبر مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود.

النشأة والتعليم
وُلد الفريق الفاتح عروة عام 1950 في مدينة الخرطوم، وسط أسرة ذات تاريخ في العمل العام، فهو نجل اللواء محمد أحمد عروة، الذي تقلد مناصب وزارية رفيعة خلال ستينيات القرن الماضي، أبرزها الداخلية والتجارة والإعلام.
بدأ عروة تعليمه في مدارس حلة حمد وخوجلي، ثم العزبة بنين في المرحلة المتوسطة، وتلقى تعليمه الثانوي في مدرستي الخرطوم القديمة وبحري الثانوية. التحق بكلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية بجامعة الخرطوم، إلا أن شغفه بالعسكرية دفعه للانتقال إلى الكلية الحربية في عام 1968، ليتخرج في مايو 1970، ضمن دفعة كانت الأولى التي يشرف عليها الرئيس الأسبق جعفر نميري شخصياً.
المسار العسكري
وبعد تخرجه، التحق عروة بسلاح الدفاع الجوي وعمل في عدة وحدات، قبل أن يُنتدب إلى جهاز أمن الدولة وهو برتبة نقيب، حيث بدأ مساره الأمني والدبلوماسي.
تولى مهاماً في سفارتي السودان بأديس أبابا وموسكو، كقنصل وممثل لجهاز الأمن الخارجي. وبين عامي 1984 و1985، تلقى تدريباً في مجال الطيران بالولايات المتحدة.

عاد إلى البلاد بعد انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بنظام نميري، وحُلت بموجبها أجهزة الأمن، وكان حينها برتبة عقيد، لاحقاً، هاجر إلى السعودية وعمل خبيراً في شؤون القرن الأفريقي، قبل أن يعود بطلب من الرئيس عمر البشير ليشغل عدداً من المناصب السيادية خلال تسعينيات القرن الماضي.

محطات هامة
وعُين عروة وزير دولة برئاسة الجمهورية ومستشاراً لشؤون الأمن القومي (1989 – 1995)، ثم وزير دولة بوزارة الدفاع، إلى أن تم تعيينه مندوباً دائماً للسودان لدى الأمم المتحدة (1996 – 2005)، وهي أطول فترة قضاها دبلوماسي سوداني في هذا المنصب، مثّل عروة السودان خلال فترات حساسة تخللتها قرارات حصار ومقاطعة، وتنامي الضغوط الدولية المرتبطة بملفات المحكمة الجنائية.

وفي أغسطس 2008، انتقل الفاتح عروة إلى القطاع الخاص، ليشغل منصب العضو المنتدب والمدير العام لشركة “زين السودان”، واحدة من أكبر شركات الاتصالات في البلاد، واستمر في منصبه لعدة سنوات. كما تولى رئاسة مجلس إدارة الطيران المدني، مما أكد تنوع تجربته بين الدولة والقطاع الخاص.

شهادات نادرة
وفي حوار نادر نشرته قناة الجزيرة عبر بودكاست “حكايات أفريقية”، كشف الفريق الفاتح عروة عن خفايا عديدة لعمل أجهزة الاستخبارات السودانية خلال فترة عمله، متناولًا تقاطعات السياسة الإقليمية والأمن الدولي.
تحدث خلال اللقاء عن تهريب زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ومحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وظروف اغتيال العقيد الليبي معمر القذافي في باب العزيزيةعام 1984م، إضافة إلى علاقات السودان بحركتي “فتح” و”حماس”.

وأكد عروة أن السودان لم يتواطأ في تهريب يهود الفلاشا إلى إسرائيل، وأن الخرطوم كانت مستعدة لتسليم بن لادن إلى واشنطن بشرط وجود أدلة قانونية، قائلاً: “إذا كانت مشكلتكم مع أسامة بن لادن، فلا تتهمونا. وإذا لديكم عليه قضايا، فاتونا بها واستلموه وحاكموه.”

رجل الظل
رحيل الفاتح عروة يطوي صفحة رجل ظل حاضراً في قلب صناعة القرار السوداني في لحظاته الفارقة، دون أن يسعى للضوء أو الواجهة، تميز بمسيرة هادئة، جمعت بين الانضباط العسكري، والبصيرة الاستخباراتية، والحنكة السياسية، وانتهت في مضمار الاقتصاد الحديث.
كان عروة مثالاً لـ”رجل الدولة” الذي يمارس أدواره بتكتم، ويدير الملفات الحساسة بأدوات العقل لا العاطفة، لم يكن صاخباً في حضوره، لكنه كان مؤثراً في كواليس المواقف الكبرى، ترك بصمته في كل مؤسسة خدم فيها، من الجيش، إلى جهاز الأمن، إلى الأمم المتحدة، ثم “زين”، دون أن تلاحقه الأضواء أو يلهث خلف المناصب.
وقد عرفه زملاؤه بالحزم والهدوء، وبالقدرة على قراءة تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي، في وقت كانت فيه البلاد تواجه عزلة وضغوطاً متزايدة. إرثه يمتد في ذاكرة الدولة السودانية كأحد القلائل الذين جمعوا بين السلطة والنأي عن صخبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top