كبسولة وعي
صباح المكي:
السودان نموذجًا: منصة مفتوحة لصناعة السرديات المضلِّلة — بثّ مباشر
خلف الستار: كيف يُستحمَر الوعي في الإعلام والسياسة؟ (٢)
منظومة التزييف لا تُصاغ فقط عبر القرار الدولي، بل يُعاد إنتاجها داخليًا
السودان لم يشهد يومًا محاسبة فعلية لفاسد. فمن أمن العقاب أساء الأدب..
نخب تتلاعب بالسرديات، وتُروّج للتمرد كمشروع “سياسي”..
*صباح المكّي*
في الجزء الأول، تتبعنا كيف تحوّل الإعلام من أداة للوعي إلى وسيلة للهيمنة، مستندين إلى ثلاث ركائز فكرية محورية:
• الاستحمار السياسي كما صاغه علي شريعتي، بوصفه تجهيلًا منهجيًا يُقصي الإنسان من دائرة الفعل؛
• البروباغندا الحديثة كما أسّسها إدوارد بيرنيز، حيث تُصنَع الحقيقة بما يخدم مصالح النخب؛
• الإجماع المصنّع عند نعوم تشومسكي، كآلية تطويع ناعمة تُكرّس السلطة بدلًا من مساءلتها.
أوضحنا أن الطغيان المعاصر لا يأتي على ظهر دبابة، بل يتسرّب عبر نشرات الأخبار، وأن الاستعمار الجديد لا يحتاج إلى جيوش، بل إلى نخب وظيفية تُعيد صياغة الوعي بإخراج إعلامي محكم.
أما في هذا الجزء، فننتقل من النظرية إلى الواقع، لنكشف كيف تحوّل السودان إلى مسرح حيّ لتطبيق هذه المنظومات على الأرض.
*كيف تُدار أدوات التزييف من الداخل؟ النخب وصناعة الوهم*
منظومة التزييف لا تُصاغ فقط في غرف القرار الدولي، بل يُعاد إنتاجها داخليًا عبر نخب محلية تتماهى — طوعًا أو وظيفيًا — مع المشروع الخارجي. هؤلاء لا ينتمون بالضرورة إلى مؤسسات الدولة، بل يتحركون كوسطاء ناعمين بين مراكز النفوذ الأجنبية والرأي العام المحلي، يُجمّلون السقوط باسم الواقعية، ويُسوّقون التواطؤ كحنكة سياسية.
غير أن التمكين الحقيقي لهذه المنظومة لم يكن نتاج تدخل خارجي فحسب، بل نبع من بيئة داخلية منهارة، أُفرغت فيها مؤسسات الدولة من مضمونها، وساد فيها الفساد بلا تبعات أو محاسبة. لا مبالغة في القول إن السودان لم يشهد يومًا محاسبة فعلية لفاسد. فمن أمن العقاب أساء الأدب، وفي السودان من أساء الأدب كُوفئ بمنصب. بل الأدهى أن رموز الفساد يُعاد تدويرهم داخل مؤسسات الدولة، ويُعاد تصديرهم كـ”قيادات سياسية” في مشهد عبثي لا يفضي إلا إلى مزيد من الانهيار.
في مثل هذه البيئة، تحوّل الكذب السياسي إلى خطاب مشروع، تُروّج له نخب تُقدّم الخضوع على أنه تعقّل، والتواطؤ على أنه “واقعية سياسية”، والصمت على أنه “حكمة وطنية”.
وفي ظل هذا التراخي، تحوّلت الساحة العامة إلى مسرح مفتوح لتبييض صورة الميليشيا، وتقديمها كبديل محتمل للدولة. نخب تتلاعب بالسرديات، وتُروّج للتمرد كمشروع “سياسي”، فتتبنّى شعارات كـ”إنهاء دولة 56″، و”القضاء على الكيزان”، وتُعيد نفخ نار الجدلية المختلقة بين “الهامش والمركز” — التي تحوّلت من نقاش مشروع إلى أداة فتنة وتحريض.
ولأن الطعن في مفهوم الدولة بات سلعة رائجة، تم تأجيج النعرات القبلية والمناطقية، حتى صار كثيرون يتحصّنون خلف قبائلهم، ويُعيدون إنتاج خطابات الانفصال بلغة ببغائية: “الانفصال هو الحل”، “الهوية هي المشكلة”، “الدولة فاشلة بطبيعتها”. وكأن الانفصال بات يُطرح كحل جاهز لأي أزمة، دون إدراك أن كل انفصال ليس نهاية، بل بداية لانشقاقات متسلسلة — تتفجر داخل الكيانات الجديدة نفسها.
لكن لهؤلاء نقول: أليس في تجربة جنوب السودان عِبرة؟ انفصل الجنوب، حاملًا ثروته النفطية، ومُحمّلاً بوعود “الدولة النقية” و”العدالة المستقلة”… فأين هو الآن؟ لقد كان يُتوقع أن يغدو من أنجح دول القارة، وإذا به يتحوّل إلى نموذج لانفجار الدولة عندما تغيب الدولة.
أما السياسيون المدنيون، فقد تجاوزوا حدود الخصومة السياسية إلى الطعن المباشر في كيان الدولة ذاته — كأن السودان لم يعد هو الثابت. وحين تغيب الدولة وتتهاوى هيبتها، تخرج الأصوات النشاز من جحورها، تُعيد رسم المستقبل لا بلغة السيادة، بل بمنطق الثأر والانتقام. فتُختطف القضايا، ويُحرّف الخطاب، ويُزرع الشك في وحدة الوطن — لا لمصلحة الشعب، بل طمعًا في سلطة زائفة وامتيازات شخصية تُبنى على أنقاض وطن ينهار.
أما الإعلام الرسمي، فقد ترك موقعه، وأُصيب بالشلل والتكلّس، حتى بات فراغه مرتعًا للطابورين الخامس والسادس، ولسماسرة السرديات المضادة. وهكذا، تحوّلت النخب المزيفة إلى أدوات ناعمة لإعادة تشكيل وعي الجماهير — لا لصالح الوطن، بل لصالح مشاريع إقليمية ودولية تسعى لتفكيك الدولة وتحويلها إلى منطقة نفوذ بلا سيادة، بلا ذاكرة، وبلا أفق.
*الإعلام الدولي: حين تتواطأ المنصات لتسويق الجريمة*
لم يقتصر التواطؤ على تلميع قائد التمرد بوصفه “شريكًا في السلام”، بل جُنّدت ماكينة إعلامية عابرة للحدود، تُحرّكها مافيا أبوظبي التي تُدير السياسة بمنطق العصابات: شراء الولاءات، وابتزاز الجغرافيا بالدم.
في سردية الإعلام الغربي، لم تعد الحرب في السودان عدوانًا خارجيًا، بل صُوّرت كـ”نزاع بين جنرالين”، وكأنها صراع على السلطة، لا مشروع تفكيك تنفّذه ميليشيا مدفوعة ضد جيش شرعي.
الجيش، الذي يُدافع عن السيادة والدستور، وُصف بـ”المتعنت”، فيما رُوّجت خيانة الوطن على أنها “رؤية مدنية “.
هذه ليست دعاية، بل جريمة إعلامية مكتملة، تُنفّذها شبكات دولية ويُمولها إقليميون ومعهم عملاء سودانيون، هدفهم ليس السلام، بل تصفية السودان وتحويله إلى كيان مُدار بالوكالة.
في قلب هذا المشهد، ظهرت الوجوه القديمة:
●عبد الله حمدوك، حامد كرزاي السودان، ظهر أخيرًا بوجهه الحقيقي: عميل ناعم بملامح تكنوقراطية، لا يسعى إلى إنقاذ البلاد، بل تسليمها.
●ياسر عرمان، العرّاب المزمن لمشروع تفكيك الجيش وتحويل الميليشيا إلى “النواة الجديدة”، وقد صدق فيه قول الراحل د. جون قرنق — والعهدة على الراوي: “الجني ده زي الموس… لو مسكته غلط بجرحك، ولو صح بتجرّح بيه غيرك.”
●خالد سلك، كائن التضليل وملك التدليس الذي تجاوز “بينوكيو” في الكذب السياسي… دون أن يرتجف له جفن.
وغيرهم كثير، كل هؤلاء يهاجمون وطنهم من على المنصات الدولية، لم يُحاسَبوا. لم تُسحب جنسياتهم. لا يزالون يتنقلون بجوازات سودانية، في وقت تُشن فيه على بلادهم حرب إبادة موثّقة.
أي عبثٍ هذا؟ الجنود يسقطون في الميدان، بينما القيادة السياسية تلتزم الصمت تجاه العملاء حاملي جواز السفر السوداني!
فهل يخضع هذا الصمت لضغوط ما يُسمّى بـ”المجتمع الدولي”؟
وإن كان الصمت اختيارًا محسوبًا، فماذا تبقّى من السيادة؟
أم أن الصمت بات يُقرأ كعلامة رضى أو قبول ضمني؟
منطق المصالح لا يحترم الضعفاء. تأملوا ما حدث:
• أمريكا قاتلت طالبان عشرين عامًا، ثم سلّمتها الحكم.
• فيتنام، بعد حرب مدمرة، انتصر فيها “هو تشي منه”، وكسر كبرياء واشنطن، ووحّد البلاد.
• في اليمن، ظلّ الغرب وأمريكا يتوعدون الحوثيين، حتى أجبرتهم صواريخ الحوثي على الجلوس إلى الطاولة.
• إسرائيل، بكل عتادها وقوتها، انكسرت في غزة، وسقطت معها سردية المظلومية إلى غير رجعة.
فمن المستفيد من تكبيل السودان؟ ومن الذي يسعى لفرض معادلة عبثية تُساوي بين المؤسسة العسكرية وميليشيا مرتزقة؟
في هذا المشهد المنهار، تُرك المواطن السوداني وحيدًا: بلا خطاب وطني، بلا إعلام مواجه، بلا برامج توعية، وبلا حماية من سُمّ السرديات.
حين تصمت الدولة وإعلامها في زمن الحرب، لا يسود الفراغ، بل يتمدد الانقسام، ويتشقق الوعي، وتُستباح الجبهة الداخلية بالسرديات المسمومة قبل أن يُجهز عليها بالسلاح.
*الوعي كسلاح: كسر دائرة الاستحمار الإعلامي والسياسي*
حين تُنتج الأنظمة وواجهاتها النخبوية “الاستحمار” بثلاثية محكمة — الخطاب، الصورة، والمعلومة — لا يُكسر هذا القيد بالشعارات، بل ببناء نقيضه الفكري والإعلامي: التحليل العميق، النقد الواعي، وسردية مضادة تُعيد تعريف الواقع وفقًا لمصلحة الدولة لا سرديات الخارج. ولأن الوعي لا يُستورد، ولا يُفصّل في مختبرات المانحين، فإن معركته تبدأ من الداخل — من أدوات سيادية تُجذّر الانتماء، لا منابر عابرة للحدود تُنظّر لتفكيكه. وهنا، تُطل وزارة الإعلام لا كجهاز إداري، بل كجبهة سيادية معنية بحماية الوعي من الانهيار.
في هذا السياق، تبدأ المعركة من اللغة نفسها، حيث لا يُدار الاستحمار بالكذب الصريح، بل بإعادة هندسة المفاهيم. تُقدَّم الخيانة كـ” رؤية مدنية”، والتفكيك كـ”إصلاح”، والمجازر كـ”أحداث مؤسفة”. هكذا تُغلف الجريمة بلغة مخدّرة تُفرّغها من حقيقتها، وتُعاد صياغتها كخلاف مشروع بين أطراف “متكافئة”. لذلك، تُصبح إعادة ضبط المفردات أولوية سيادية، تُناط بوزارة الإعلام مسؤولية صياغتها بدقة، وتوحيد الخطاب الرسمي حولها، ومواجهة محاولات تعويم الحقائق، أو تسويق الجرائم بلغة محايدة تُبتر الذاكرة وتُخدّر الإدراك الجمعي.
لكن معركة الوعي لا تتوقف عند اللغة، بل تتّسع لتشمل النخب التي تُسوّق التمرد وتُعيد تلميع الفشل بشعارات التحليل. سياسيون، إعلاميون، و”خبراء” يتحدثون بلسان الخارج، ويستخدمون منابر الدولة لتبييض التمرد وتدوير الخراب بوصفه “حلًا واقعيًا”. مواجهة هذا النمط لا تتم بالردود الفردية، بل تتطلب استجابة مؤسسية تقودها وزارة الإعلام عبر رصد هذه النخب وتحليل خطاباتها ومساءلتها أخلاقيًا ومهنيًا، ووضع ميثاق وطني يجرّم الحياد مع الخيانة والتوازن مع التضليل. وفي الميدان الرقمي، حيث تُصاغ اليوم السرديات وتُصنع الحقائق، لا بد أن تتحوّل وزارة الإعلام من جهاز بثّ إلى مركز تعبئة استراتيجي، يطلق شبكات توعية رقمية موجهة للشباب، يدعم الإعلاميين الوطنيين، ويُنتج محتوى نوعيًا يواجه الأكاذيب ويوثّق الجرائم ويُعيد الاعتبار للسردية الوطنية.
تتطلب هذه المواجهة أيضًا استراتيجية سيبرانية وطنية تعيد التوازن للفضاء الرقمي، عبر إنشاء وحدات رصد إلكتروني تتصدى لحملات التضليل، وتفعل المحتوى الوطني بالتنسيق مع خوارزميات المنصات الكبرى، وتوظف الإعلام الجديد كمنصة تعبئة لا كساحة ردود أفعال. لأن من يترك فراغًا في سرديته، يترك وعيه رهينة لمن يملأه بمعايير الخصم.
أما الجبهة الأخطر، فتكمن في الإعلام الأجنبي العامل داخل السودان أو الناطق باسمه خارجه، ممن يتخفّى خلف ستار “الحياد” ليُعيد إنتاج سرديات تُساوي بين الدولة وميليشيا مدفوعة الأجر، وتُعيد تعريف العدوان على أنه “نزاع داخلي”. تلك ليست تغطية صحفية، بل استعمار سردي ناعم، تُفرَض فيه المفاهيم وتُعاد فيه صياغة الوقائع بما يخدم الممول لا مصلحة الوطن. ولوقف هذا النزيف السردي، لا بد من فرض ميثاق سيادي ينظم عمل هذه القنوات ويربط استمراريتها باحترام خطاب الدولة، وتفعيل مبدأ المعاملة بالمثل: من لا يحترم سيادتنا، لا مكان له على أرضنا — لا إعلاميًا ولا جغرافيًا.
*الختام: من لا يحسم معركة الوعي، يُهزم قبل أن يُقاتل*
إن معركة السودان اليوم لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمة، بالصورة، وبالرواية..
ليس المطلوب خطابًا شعبيًا فارغًا، ولا شعارات جوفاء، بل مشروعًا وطنيًا للإعلام الواعي، تُشارك فيه الدولة بعزم، وتُستنهض فيه الطاقات الوطنية، ويُعاد فيه الاعتبار لدور وزارة الإعلام كدرع سيادي لا كمؤسسة إدارية.
إما أن نستعيد روايتنا، أو نستعد للاندثار في روايات الآخرين.
ومن لا يُمسك بسرده، يُعاد تشكيله وفق هوى خصومه.
ومن لا يخوض معركته بنفسه، لن يخوضها أحد بالنيابة عنه.
الوعي ليس ترفًا — بل جبهة بقاء.
والصمت ليس حكمة — بل ثغرة في الجدار.
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com






