الأزمات الصحية والبيئية.. تحديات في معركة إستعادة العاصمة..
الخرطوم .. إختبار إرادة الدولة
الكرامة:علم الدين عمر
من المطار إلى الميناء.. شرايين الحياة في قلب الخرطوم الجريحة..
.. بيئة منهكة وصحة على حافة الإنهيار..والأمل..
العاصمة في مواجهة الملاريا وحمى الضنك على طريق العودة..
الكرامة:زعلم الدين عمر
قبل الحديث عن عودة المؤسسات.. تقف الخرطوم اليوم أمام عثرة ميدانية قاسية.. التحديات الصحية والبيئية.. ففي جميع محليات الولاية تفتك الملاريا والإسهالات وحمى الضنك بالسكان في ظل بيئة مهددة تتفاقم يوماً بعد يوم..
وما بين الإنحسار والإنتشار تشير تقارير وزارة الصحة بالولاية إلي جانب التقارير الميدانية لارتفاع مقلق في نسب الإصابة بالملاريا..مع إنتشار واسع للإسهالات المائية وحمى الضنك.. ما جعل المنظمات تصف الوضع بأنه “قنبلة موقوتة”.. الحرب وما خلفته من دمار أفرغت المباني السكنية من أهلها.. فأنتشرت الأعشاب الكثيفة.. وتكاثرت الحشرات والبعوض.. وتحولت الخرطوم إلى بيئة خصبة للأوبئة..
الأمر لا يقف عند حدود الصحة فقط.. فالنفايات المتراكمة في الشوارع والأحياء أوجدت بيئة خانقة.. ومع تراجع خدمات الصرف الصحي وغياب حملات النظافة المنتظمة.. تبدو العاصمة وكأنها تعيش حالة طوارئ بيئية كاملة..وممتدة..
المؤسسات تعود.. لكن العوائق أكبر..
ورغم هذا الواقع المأزوم..عادت مؤسسات إتحادية رئيسية إلى مقارها في الخرطوم..مجلس الوزراء عقد أول اجتماعاته من العاصمة..في مشهد حمل رمزية سياسية واضحة.. لكنه في الوقت نفسه كشف حجم التحدي.
كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تستقر وتعمل في مدينة غارقة بالمخاطر الصحية والبيئية؟
المراقبون يرون أن نجاح عودة المؤسسات مرتبط بمعالجة هذه التحديات في المقام الأول..فالعاصمة لا يمكن أن تكون مركز قرار في ظل إنهيار البيئة الصحية.. ولا يمكن أن تتحول إلى بيت الدولة بينما سكانها يواجهون أمراضاً وأوبئة تهدد حياتهم اليومية.
ولاية الخرطوم.. جهد شاق في مواجهة المستحيل..
حكومة ولاية الخرطوم برئاسة الوالي أحمد عثمان حمزة تخوض معركة متعددة الجبهات.. من جهة.. تعمل على تنظيف الشوارع ورفع النفايات.. حيث تشير بيانات رسمية إلى إزالة أكثر من 120 ألف طن من المخلفات منذ بداية العام.. ومن جهة أخرى تحاول تشغيل ما تبقى من الخدمات الأساسية.. 60% من محطات المياه أُعيدت للعمل.. و7 من أصل 12 محطة كهرباء أعيد تشغيلها..لكن هذه الجهود..مهما بدت كبيرة..تصطدم بحجم الخراب وأتساع الخرطوم جغرافياً وسكانياً..وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى دعم إتحادي أوسع وأقوى..لأن الولاية وحدها لا تستطيع مواجهة هذه المعركة الشرسة.
اللجنة العليا برئاسة إبراهيم جابر.. خطة شاملة..
اللجنة العليا لتأهيل العاصمة.. برئاسة الفريق إبراهيم جابر.. أعلنت خطة متدرجة ترتكز فيما يبدو من مساحات حركتها على:
البنية التحتية.. إصلاح الجسور والطرق الرئيسية..
الخدمات.. إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس..
المشاريع الإستراتيجية.. إكمال مطار الخرطوم الدولي بنسبة إنجاز حالية بلغت 65%..وتأهيل الميناء البري كعصب للحركة الداخلية..
المعالجات البيئية.. برنامج “الخرطوم نظيفة” لمكافحة النفايات والأعشاب والحشرات..
اللجنة أقرت بأن المعركة مع البيئة والصحة لا تقل أهمية عن عودة الوزارات..بل إنها شرط أساسي لنجاح أي خطوة في إتجاه الاستقرار..
كامل إدريس.. رسائل الثقة ..
رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس ظهر في قلب العاصمة أكثر من مرة..متنقلاً بين الوزارات والمرافق العامة، ووجه رسائل ثقة واضحة..الخرطوم ليست مدينة ميتة..ويمكن العمل علي أن تستعيد أنفاسها..
إدريس شدد على أن الحكومة لن تكتفي بإعادة المكاتب.. بل ستعمل على إعادة المدارس والمستشفيات.. وإصلاح الأحياء السكنية.. ومعالجة التحديات البيئية والصحية باعتبارها “جبهة إنقاذ عاجلة”..
العودة الطوعية.. المواطن بين الأمل والألم..
ملايين النازحين تركوا الخرطوم بسبب الحرب.. عودتهم تواجه عائقين رئيسيين.. غياب الخدمات الصحية والتعليمية.. وأنتشار الأوبئة.. الحكومة أعلنت عن خطة لإعادة تأهيل المدارس والمكزا الصحياة قبل نهاية العام.. لكنها تعلم أن النجاح لن يكون بالأرقام وحدها.. بل بخلق بيئة صحية آمنة تجعل الأسر مستعدة للمغامرة بالعودة..
البنية التحتية.. المطار والميناء أولوية..
إكمال مطار الخرطوم الدولي وأستعادة الميناء البري يمثلان تحديين كبيرين فالمطار بوابة السودان إلى العالم..والميناء البري صلة العاصمة ببقية الولايات.. عودتهما للعمل لا تعني فقط حركة نقل طبيعية.. بل تعني إستعادة الخرطوم مكانتها كعاصمة متصلة داخلياً وخارجياً.
المجتمع المدني.. سند أساسي..
وسط هذا المشهد برزت مبادرات مجتمعية عديدة.. حملات تطوعية لنظافة الأحياء.. مبادرات شبابية لإعادة تأهيل المدارس.. ومبادرات رجال أعمال لدعم المراكز الصحية.. هذه التحركات الشعبية تعكس وعياً بأن معركة الخرطوم ليست معركة حكومة فقط.. بل مسؤولية مجتمع بأسره..
البعد السياسي.. العاصمة عنوان السيادة..
في السياسة.. عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم تعني الكثير.. فهي إعلان بأن الدولة تتمسك بعاصمتها.. ورسالة للخارج بأن العاصمة ما زالت في مركز للسيادة والقومية السودانية لكنها في الداخل تمثل إختباراً لمصداقية الحكومة أمام شعبها.. هل تستطيع أن تدير العاصمة وتعيد إليها الحياة..أم تبقى العودة مجرد خطوة رمزية؟
أخيراً ..الخرطوم بين الخطر والإستعداد..
اليوم..الخرطوم تعيش معركة مزدوجة.. مواجهة الأوبئة والبيئة المنهكة.. وأستعادة المؤسسات والدور السياسي.. النجاح يتطلب تكاملاً بين الجهد الرسمي والشعبي..ودعماً إتحادياً يتجاوز حدود التصريحات..فالخرطوم ليست مجرد مدينة تبحث عن الكهرباء والماء.. هي قلب دولة يتوقف عليه بقاء السودان موحداً وسيداً على أرضه.. وإذا نجحت في تجاوز أزمتها البيئية والصحية..فستكون العودة إلى الحياة ممكنة..أما إذا فشلت.. فستظل العودة مجرد صورة معلقة على جدار حرب لم تنتهِ بعد.






