عائس وثيقة صوتية من ذاكرة الخرطوم الطاهر يونس:

عائس وثيقة صوتية من ذاكرة الخرطوم

الطاهر يونس:

إلى روح الفنان الرقم حسن عطية… وإلى كل من غنّوا للخرطوم القديمة فأضاؤوا وجدانها.

أهداني الصديق الحبيب والصحفي الألمعي ياسر عائس تسجيلًا نادرًا لحوار إذاعي قديم أجراه الأستاذ الكبير محمود أبو العزائم مع الفنان الرقم الأستاذ حسن عطية.

ما إن تدفقت كلمات ذلك الحوار عبر الأثير حتى وجدت نفسي مأخوذًا بكتلة من الجمال كأنما الزمن قد انفرج عن نافذته السرية ليُطل علينا صوت أنيق، مبدع، عاشق للخرطوم وناسها.

كان حسن عطية يحكي عن طفولته ومسيرته الفنية، لكن الحكاية لم تكن مجرد ذكريات او (بيوقراف لفنان ذائع الصيت) بل لوحة حيّة للخرطوم القديمة. مدينة تتقاطع فيها الأزقة والحواري، يقطنها الأقباط والأرمن والسوريون، إلى جانب أهلها من كل فج. ذلك التنوع لم يكن مجرد وجود بشري بل شكل رافدًا ثقافيًا وفنيًا وعلميًا أغنى العمران وزاد التكوين الحضري بُعدًا جماليًا متفردًا شكلا ومضمونا.إذ كانت الخرطوم آنذاك قبلة للجمال، عاصمة حضارية تميزت بعمارة تركية شامخة ولمسة إنجليزية رصينة تشهد على تلاقح حضارات وأزمنة وفي لياليها المؤنسة يتجمع المبدعون في سهرات رفيعة تُشعلها قناديل الطرب وتضيئها عبقرية الكلمة واللحن.

في هذا الحوار الشيّق طاف بنا حسن عطية عبر كبسولة الزمن كأنما يدق أبواب الخرطوم بيتًا بيتًا، يضع يده على مواطن الجمال، ويوقظ فينا وجع الذكريات. في حديثه كنا نرى خليل فرح يبتسم من بعيد وسرور يعزف على أوتار الليل وكأننا نعيش معهم لحظات السمر تلك التي صنعت وجدان أمة كاملة.

وكلما تمدّد الحوار عبر مساحة الزمن وجدتني أنزلق في حالة لا أجيد توصيفها؛ شعور يأخذك بعيدًا، ينسيك تفاصيل حاضرك، يغرقك في لجة بحر مترع بالحنين والجمال، حيث الخرطوم القديمة تفتح ذراعيها كأم رؤوم وتعيدك إلى زمن البراءة والصفاء.

إن استعادة مثل هذه التسجيلات النادرة في زمان ما بعد الحرب لا تمثل مجرد حنين إلى الماضي بل هي جهد ضروري لصون ذاكرة وطنية وحماية إرث فني وإنساني يضيء حاضرنا ويثري مستقبلنا. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة للمحافظة على الأرشيف الرقمي للتسجيلات الإذاعية والفنية باعتباره جسرًا يربط الأجيال ببعضها ووعاءً يحفظ ما تبقى من جمال تلك الأزمنة للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top