الخرطوم..
عودة بعد الغياب (1)
الطاهر يونس
كطفلٍ يتقافز جذلان فرحًا بأول وعد، قضيتُ ليلتي (بالبورت ) مترقبا أن يُسفر الصباح عن وجهه لتبتعد مدينةُ الثغر بأبنيتها وضجيجها رويدًا رويدًا وتتوارى في كامل صمودها خلف لهفة العودة وتلويحات الوداع.
لم تكن العودةُ إلى الخرطوم بسلاسة إطارات السيارة المسرعة، ولا بعدد الكيلومترات التي تحطّمت أرقامها على شاشة العرض بين غمضة عينٍ وانتباهتها ، بل مرت في تلكم اللحظات عبر ظلالٍ كثيفة من الذكريات المؤلمة، أقلّها السقوطُ المُحبِط للجزيرة على يد المتمردين في عام الحرب الاول ، حيث تبخّرت كلُّ ذرات الأمل بالحياة وكأن القلب أُفرغ دفعةً واحدة.
لا أدري كيف شققنا طريق العودة الطويل وسط هذا الطيف الجامح من الخيال والتأمّلات وصوت العباسي حاضرًا في ذاكرتي حين العودة إلى مصر بعد أن بلغ السبعين من العمر وقد فارقها في ميعة الصبا والعمر مزهرا مردّدًا:
فارقتها والشَّعرُ في لونِ الدجى
والآن عُدتُ به صباحًا مُسفِرا
سبعونَ قصَّرتِ الخُطا
وتركنني أمشي الهوينى ضالعًا متعثِّرا
بعد ما كنتُ الذي يطأ الثرى زهرًا
ويستهوي الحِسانَ تبخترًا
لا أدري ما الذي يربطني بهذا التداعي؛ فسنوات العمر لم تُقصّر خُطاي بعد، غير أنّ شيئًا ما تغيّر في داخلي إذ لم أعد ذاك الذي كان يطلّ من أعلى شرفةٍ على مسارات الحياة متحسّسًا نبضها، وازنا خياراتها بعين لا تستعجل اليقين شعارها أن الأكمل والأجمل قادم لا محالة ،لكن الآن الروح بشوق العائدين معلّقةً بدياري ،سكني، وحافظة الذكريات حيث لا تزال بعض الطرق رغم البعد والرحيل تحفظ بعضا من آثار خطواتي.
فبرغم من طول الرحلة وبُعد المسافة إلا أننا بدأنا الدخول إلى الخرطوم من طرفها الشمالي حيًّا بعد حيّ بتفاوت لا تخطئه عين … أحياءٌ ما زال ضجيج الحياة فيها يقاوم الخراب: أصوات باعة جائلين، أبواق سيارات، آهات مارة مكتومة، وجوه بدأ التعب يخطّ ملامحها تكابر لتبدو طبيعية. رويدًا رويدًا أخذ الضجيج يخفت كأن المدينة تُسلّمنا إلى مناطق صمتها الثقيل وأكوام من السيارات الملقاة كجثث علي جنبات الطريق تحكي بشهادات صامتة عن وحشية وبربرية المتمردين حتى بلغنا قبلتنا ومقصدنا.
كافوري….
الحيّ الذي كانت شوارعه يومًا عنوانا للحياة والحركة الدؤوبة، بدا اليوم خاليًا موحشًا..شوارع فسيحة بلا عابرين، بيوت صامتة، وأشجار واقفة كحراسٍ أنهكهم الانتظار. … الصمت هنا لم يرسم لوحة الهدوء وإنما فراغًا يُذكّرك بما كان ولا يصف ما هو كائن.
دقائق معدودة عبرنا فيها حدود الحي من طرفه إلى طرفه الآخر، أطل بيتي من بعيد كأنه ينهض من بين السراب ،
كان واقفًا ولكن لم يعد كما عرفته: بابٌ متعب …جدران تحمل آثار الرصاص والخوف …نوافذ فقدت بعض من سترها كاشفةً عورة الداخل بلا حياء. لم يكن الغياب صادمًا بقدر ما كان موجعًا كأن أحدهم عبث بإعدادات الذاكرة قبل أن يعبث بالمكان.
في فناء البيت حيث كانت الخضرة تسبقنا بالترحيب تمدّد الجفاف، أشجارٌ عطشى أوراقها مصفرّة، وبعضها لم يقوَ على الوقوف.
سرت ببطء أتحسّس الجدران مترفّقًا بها، معتذرًا عن طول الغياب. كل زاويةٍ كانت شاهدةً على ما مرّ…وكل صمتٍ يقطع صدى ضحكات الأطفال يحكي عن الخراب.
في لحظة يقينٍ صادق أدركت أن العودة لم تكن إلى بيتي فقط بل إلى امتحانٍ في داخلي: أن نرى الخراب ونعيش بإرادة التعمير، وأن نلمس الجفاف بأصابع السقيا، ،،،وأن نعرف أن البيوت والأوطان لا تُرمَّم بالحجارة وحدها بل بالروح والصبروعزائم الرجال.
نواصل………





