د.عبد اللطيف البوني يكتب: «في حب الواطا »

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

في حب “الواطا ”

(1)
طوريتك في الطين مرمية
كوريتك فاضية ومجدوعة
ولا فوتك كانت مرضية
شقيش ما تقبل يا أبو الحيل
في قلوبنا مواجعك متكية
بتمسي بيوتنا الكاكية
حزنانة بتبكي مال الحال
والزمن الساقكم أبدية
هذه الكلمات مجتزأة من أغنية مشهورة لمصطفى سيد أحمد شارك هو في تأليفها مع صلاح حاج سعيد ومحمد المهدي عبد الوهاب …وهي ليست للشاعر المبدع حميد كما هو شائع إلا أنها تشبه أشعاره .
مصطفى سيداحمد ابن الجزيرة ..مفتون بحب أرضها … ويُحكى أنه طلب من أحد أصدقائه كان قادماً لقطر أن يحضر له حفنة من تراب حواشة جده بمكتب ود سلفاب في وسط الجزيرة … .فاستقبل مصطفى القادم في مطار الدوحة.. فاستلم التراب وأخذ “يتكرّفه” ويبكي وسط ذهول موظفي المطار ..إنه أديم الجزيرة وإنه مصطفى .
(2)
كان والدي رحمة الله عليه ..لا يقبل أي كلمة في الحواشة ..وعندما نقول له إن الظلم الواقع على المزارع كبير ..وإن الحساب المشترك فيه سرقة لجهد المزارع …لمصلحة الدولة والإدارة (الشركة قبل التأميم ) … كان يقول لنا إنتو شن عرفكم أمشوا شوفوا قرايتكم وين ؟ وعندما نقول له إن كثير من المرافق الحكومية في السودان …أُنشئت من عرق مزارع الجزيرة… يقول عشان كده نحن رضيانين…
عندما تقدّم به العمر وجلس كنت اتحاشى ذكر الحواشة بسوء خشية زعله ..وقد كان تفسيري لذلك أنه عاش فترة ما قبل المشروع حيث كانت الحياة صعبة فالمشروع على الأقل وفر لهم ماء الشرب وبالتالي الإستقرار وشيء من الحياة الحديثة …لذلك كانت النقلة كبيرة بالنسبة لهم …أما نحن الذين نشأنا في ظلال المشروع …فلا ينطبق علينا ما حدث لهم من نقلة… وبالتالي اقترابنا من الحقوق والواجبات لابد من أن يكون مختلفاً..
(3)
عندما عدت من غربة عام وثلاثة أشهر في مايو الماضي ..كان أول مشاويري هو الذهاب للحواشة … رغم أن الموسم الزراعي كان قد انتهى …والحواشات تحولت إلى ما يشبه الصحراء الجرداء… والسفاية ما تديك الدرب …فتجولت حافياً في الحواشة في كل القصادات …القصاد في الجزيرة نسميه “التلات” …وكنت وأنا أمشي في الأرض التي مشى عليها والدي قبل قرابة القرن من الزمان كأنني في عالم آخر …لاسيما أن انقطاعي عنها كان قسرياً لأنه في أيام احتلال الدعم السريع للجزيرة كانت هناك كتيبة جنوبية تابعة للدعم ترابط في تلك الحواشات ..والكتيبة مكونة من نوير كانوا يشتغلون في أعمال البناء والكمائن… في ذات منطقتنا انضموا للدعم السريع بعد دخوله الجزيرة .. عودة إلى موضوعنا وإن لم نخرج عنه ..لقد أحسست أن علاقتي بهذه الأرض لم تعد علاقة مصلحة بل هي أعمق من ذلك بكثير …لقد تأكدت أنني لم أفهم والدي وهو يدافع عن الحواشة ..لأنني ساعتها لم أصل للبُعد الروحي الذي كان هو قد وصله… وهأنذا أصله بعد التجربة المريرة التي مررنا بها .
لقد تذكّرت فليم الأرض للمخرج الكبير يوسف شاهين وبطولة محمود المليجي وعزت العلايلي ..الذي تحولت فيه علاقة الفلاحين بالأرض التي سقوها بعرقهم ثم سقوها بدمائهم …من علاقة مصلحة إلى علاقة حب يكاد يكون تجريدي …
وغداً إن شاء الله عندنا شوية كلام عن حب الأرض والموسم الزراعي المتعثّر والماثل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top