الحكومة أعلنت رفضها في بيان
العقوبات الأمريكية.. ادعاءات كاذبة
مزاعم استخدام الجيش لـ”أسلحة كيميائية” ..الخارجية تنفي
الخرطوم التزمت بالتعاون مع واشنطن للتقصي.. خطوات فنية
خبير: القرار يأتي في إطار ممارسة الضغوط
تقرير: محمد جمال قندول
لا تزال واشنطن تمارس سياسة “العصا والجزرة” مع السودان، حيث فرضت مؤخراً عقوبات جديدة على السودان، استناداً إلى مزاعم كاذبة باستخدام الجيش لأسلحة كيميائية.
وظل المجتمع الدولي يتعامل بازدواجية مع أزمة الحرب بالبلاد، رغم وضوح مفاصل المؤامرة بتمرد مليشيا الدعم السريع على الدولة بدعم إماراتي.
الشرعية الدولية
ورفضت الحكومة السودانية عقوبات واشنطن الأحادية وغير القانونية ضد السودان، استناداً إلى مزاعم باطلة باستخدام القوات المسلحة السودانية لأسلحة كيميائية، واعتبرتها تجاوزا للآليات الدولية المختصة، وتجاهل لمقتضيات الشرعية الدولية.
وقال بيان الخارجية السودانية، لقد دحضت الحكومة السودانية هذه الادعاءات، التي تفتقد لأي أساس، منذ إثارتها إعلامياً منسوبة لمصادر مجهولة. وأكدت الحكومة باستمرار التزامها الكامل بأحكام اتفاقية حظر استخدام وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية وتدميرها، ووفائها التام بالالتزامات الناشئة عن الاتفاقية، بما في ذلك تقديم الإخطارات الدورية ذات الصلة، وعدم إنتاج أو امتلاك أو استخدام الأسلحة الكيميائية، خاصة أنها تحظى بعضوية المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وتابع البيان، كذلك التزمت حكومة السودان بالتعاون والانخراط الإيجابي مع حكومة الولايات المتحدة لاستقصاء أي شكوك أو مزاعم في هذا الخصوص، باتباع الخطوات الفنية والإجرائية اللازمة للتحقق من صحة ما أثير من اتهامات.
أضافت الحكومة، غير أن الولايات المتحدة لم تكتفِ فقط بعدم تقديم أي أدلة يعتد بها، بل تجاهلت كل الآليات والإجراءات الفنية المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، لتصدر قرار فرض العقوبات على السودان. وكل ذلك يدل على أن دوافع هذه العقوبات سياسية محضة، ولا تعبر عن شواغل حقيقية بشأن منع استخدام الأسلحة الكيميائية، مما يعيد إلى الأذهان سوابق استخدام الولايات المتحدة لادعاءات استخدام الأسلحة المحظورة لأهداف سياسية تخصها.
وأعربت وزارة الخارجية والتعاون الدولي عن رفض السودان القاطع لهذه العقوبات الأحادية وغير القانونية، ودعت حكومة الولايات المتحدة إلى اتباع النظم والقوانين المعمول بها في مثل هذه الحالات، وطالبتها بالوفاء بما التزمت به ثنائياً مع حكومة السودان، بتقديم الأدلة التي زعمت امتلاكها في هذا الملف.
وجددت الخارجية التزام حكومة السودان بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، واستمرارها في التعاون مع المنظمات الدولية المختصة، وعلى رأسها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
تداعيات القرار
يقول الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. أسامة محمد عبد الرحيم إن القرار الأمريكي بفرض عقوبات على السودان استناداً إلى مزاعم استخدام أسلحة كيميائية يمثل تطوراً سياسياً وقانونياً بالغ الأهمية، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء عقابي عادي، وإنما باعتباره خطوة ستكون لها تداعيات على مسار العلاقات الثنائية، وعلى صورة السودان في المحافل الدولية، وعلى طبيعة التعاطي مع الحرب الدائرة في البلاد.
ويرى أسامة أنه من الناحية القانونية، فإن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وضعت آليات واضحة للتعامل مع أي ادعاءات من هذا النوع، تبدأ بطلب المعلومات، ثم المشاورات الفنية، ثم إجراءات التحقق والتفتيش التي تشرف عليها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، قبل الوصول إلى أي استنتاجات أو إجراءات عقابية.
تابع محدّثي، وإذا كانت الحكومة السودانية تؤكد أنها لم تُمنح الفرصة الكاملة لتفعيل هذه الآليات، فإن ذلك سيصبح محوراً أساسياً في أي نقاش قانوني أو دبلوماسي حول مشروعية هذه العقوبات. كما أن تأكيد السودان عضويته في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وإعلانه الالتزام الكامل بأحكام الاتفاقية، يضفي أهمية إضافية على ضرورة الاحتكام إلى المؤسسات الدولية المختصة، لأن مصداقية منظومة منع انتشار الأسلحة المحظورة تقوم على التحقيق الفني المستقل، وليس على التقديرات السياسية وحدها.
وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة غالباً ما تستند في مثل هذه القرارات إلى تشريعاتها الوطنية التي تمنح الإدارة الأمريكية صلاحيات فرض عقوبات إذا توصلت إلى قناعة بوقوع انتهاكات، حتى وإن لم تكن إجراءات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قد اكتملت. ولذلك فإن الخلاف هنا لا يقتصر على الوقائع، وإنما يمتد إلى طبيعة المرجعية القانونية التي ينبغي الاحتكام إليها: هل هي المرجعية الدولية متعددة الأطراف، أم التشريعات الوطنية ذات الأثر العابر للحدود؟
وأكمل الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. أسامة قائلاً: سياسياً، فإن توقيت القرار لا يمكن فصله عن المشهد السوداني والإقليمي، حيث تتداخل الحرب الداخلية مع تنافس إقليمي ودولي واسع، الأمر الذي يجعل أي خطوة من هذا النوع ذات أبعاد تتجاوز الملف الكيميائي نفسه، لتؤثر في موازين الضغوط السياسية والدبلوماسية المفروضة على السودان.
وفي تقديري، فإن أفضل مسار أمام السودان لا يقتصر على إصدار بيانات الرفض، وإنما يتمثل في الانتقال إلى تحرك قانوني ودبلوماسي نشط، يقوم على مطالبة الولايات المتحدة بتقديم الأدلة التي استندت إليها، وطلب تفعيل الآليات المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وفتح الباب أمام أي إجراءات تحقق فنية مستقلة إذا اقتضى الأمر، لأن التعامل مع مثل هذه الاتهامات عبر المؤسسات الدولية يمنح السودان فرصة أكبر للدفاع عن موقفه على أساس القانون والوقائع، لا على أساس السجال السياسي.
كما ينبغي أن يقود السودان حملة دبلوماسية واسعة مع الدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والشركاء الدوليين، لشرح موقفه القانوني وتأكيد التزامه بالاتفاقيات الدولية، لأن مثل هذه الملفات لا تُحسم بالبيانات وحدها، وإنما ببناء موقف دولي يستند إلى الشفافية والتعاون مع المؤسسات المختصة.
ويؤكد أسامة أن في جميع الأحوال، فإن المرحلة المقبلة ستتطلب إدارة دقيقة لهذا الملف، لأن آثاره لن تقف عند حدود العقوبات ذاتها، بل قد تمتد إلى الاستثمار، والتمويل، والعلاقات المصرفية، ومسار الانفتاح الدولي الذي ظل السودان يعمل على استعادته خلال الفترة الماضية. ولذلك، فإن نجاح الخرطوم في إدارة هذه الأزمة سيعتمد على قدرتها على الجمع بين التحرك القانوني، والدبلوماسية النشطة، والتواصل المهني مع المجتمع الدولي، بما يحافظ على مصالح السودان ويعزز مصداقية موقفه أمام المؤسسات الدولية.






