حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“النهضة ….سد أم حاوي ؟”
(1)
القوانين الدولية المتعلّقة بالمياه في العالم بلا عدد ..المياه بشقيها العذبة والمالحة ..فما أكثر الأنهار العابرة للأقطار وما أكثر الدول المتشاطئة على بحر واحد …لذلك نهر النيل بفرعية الشرقي والغربي وإن شئت قل الأزرق والأبيض ليس فرداً في الأنهار ..فالفرع الشرقي وهو المكون الأكبر لنهر النيل يمر من منبعه بإثيوبيا إلى مصبه بمصر عابراً السودان ..بهذا يكون متشارَكاً بين ثلاثة دول ..فعلى حسب القانون الدولي للمياه أي منشأة مائية تقام عليه للزراعة أو الكهرباء أو حتى للسياحة يجب أن تكون باتفاق الدول الثلاثة ..لذلك غضب الإمبراطور هيلاسي لاسي غضبة مضرية عندما وقع السودان و مصر اتفاقية مياه النيل ١٩٥٩م.. لأن البلدين استثنيا إثيوبيا دولة المنبع …فقيل له إن الاتفاقية متعلّقة بالمياه التي خرجت من إثيوبيا ولا دخل لها بها …فقال لهم انكم بذلك تدفعوننا للتحكّم في المياه الخارجة مننا.. وسوف ترون …الرجل أسرّها في نفسه.
(2)
الهضبة الإثيوبية حباها الله بمطر سنوي غزير… ولكن سرعان ما يخرج منها لغيرها لانحدارها الشديد .. لتقوم عليها زراعة ونهضة وحضارة …. فأصبحت هذه المياه كأنها ضيف على إثيوبيا …وفرعون مصر يقول “أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي …” الآية …وظلت إثيوبيا تنظر لهذه المياه المتدفّقة منها إلى غيرها… وشعوبها تعاني الجوع والمسغبة نظرة فيها الكثير من الحسرة …وظل استغلال هذه المياه مدخلاً لمشروع وطني عظيم ..ونُسب للامبراطور هيلاسي لاسي القول إن عبد الناصر أصبح بطلاً وطنياً وزعيماً قومياً بمياهنا…. والإشارة هنا للسد العالي …الأمر المؤكد إن الإمبراطور رحل وفي نفسه شيء من عدم استغلال المياه النازلة في أرض إثيوبيا …الذين خلفوا الإمبراطور… أمان عندوم ومنقستو هيلا ماريم شغلتهم قضية الوحدة والحرب الأهلية عن قضية المياه… إلى أن جاء الشاب “الفلتة “مليس زيناوي الذي وجد في مشروع سد النهضة معادل موضوعي لسماحه بذهاب دولة إريتريا من خارطة الدولة الإثيوبية …فطرح مشروع سد النهضة كمشروع نهضوي وطني عظيم لإنتاج كهرباء ويجعل من إثيوبيا أكبر مصدر للكهرباء في أفريقيا… وعندما أُتهم بأنه يريد توسيع الرقعة الزراعية قال إننا في إثيوبيا نبحث عن تصريف للمياه لكي نتمكّن من الزراعة …
(3)
دخل مليس زيناوي في ماراثون تفاوضي مع السودان ومصر ..أقر البلدان حق إثيوبيا في الاستفادة من مياهها شريطة ألا يؤثر ذلك على الحقوق المكتسبة للبلدين.. كما تقر الشرائع المائية الدولية ..فتم التوافق على قيام السد وفي ذات المكان وعلى فكرة إنتاج الكهرباء بحجم خمسة “قيقاوات” وظهر الخلاف في حجم البحيرة فهذه “القيقاواتات” تحتاج إلى مابين عشرة واحدى عشر مليار متر مكعب من المياه …ولكن إثيوبيا قالت بما أنها سوف تصبح أكبر تاجر كهرباء ولن يشتري منها أحد إذا لم يضمن استمرارية التيار… فهذا يستلزم أن يكون لها احتياطي مياه فلا يمكن تعمل بطريقة رزق العام بالعام …فموجات الجفاف كثيرة الحدوث …طيب يا إثيوبيا كم تريدين ؟قالت إنها تريد سبعة عشر مليار متر مكعب على الأقل ..فأصبح الخلاف حول حجم البحيرة هل تسع إحدى عشر أم سبعة عشر مليار متر مكعب ..عدم الاتفاق حال دون توقيع اتفاقية بين تلك الدول لقيام السد كما تقتضي الأصول المعمول بها عالمياً ..
…أها ياجماعة الخير نحن في هذا اليوم من هذا الشهر في هذا العام الميلادي ٢٠٢٦م، أمام سد النهضة الذي يسع ٧٦ مليار متر مكعب …والعالم المصري عباس شراقي يقول حباب السد .. والسودان يولول بأن المياه حُجبت عنه …فماذا جرى ؟ وهل تحوّل سد النهضة من مشروع نهضوي إلى آلة سياسية حادة ؟ نواصل إن شاء الله …






