الجيش حرر مبنى “وكالة السودان للأنباء” وتدمير واسع في المقر (سونا ).. مآسي النهب والدمار

الجيش حرر مبنى “وكالة السودان للأنباء” وتدمير واسع في المقر

(سونا ).. مآسي النهب والدمار

تدمير كامل يطال (سونا ) ونهب المعدات

وزير الإعلام يندد باستهداف مليشيا الدعم السريع للمؤسسات الإعلامية

صور الدمار في وكالة السودان للأنباء تكشف حجم التخريب الممنهج..

خسائر الإذاعة والتلفزيون تتجاوز ال( 30 ) مليون دولار ..

إحراق مركبات النقل التلفزيوني ونهب معدات البث

الإعلام الوطني يواجه تحديات كبرى بعد استهداف بنيته التحتية

تقارير رسمية تؤكد تدمير المكتبات الإعلامية

نداءات دولية لإدانة استهداف الإعلام السوداني خلال الحرب

تقرير : رحمة عبدالمنعم
امتدت أيادي التخريب والنهب إلى واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية السودانية، حيث تعرض المقر الرئيسي لوكالة السودان للأنباء (سونا) بشارع الجمهورية وسط الخرطوم إلى دمار شامل ونهب واسع من قبل مليشيا الدعم السريع المتمردة، في سياق استهداف منظم للبنية الإعلامية الوطنية.
ولم تقتصر عمليات التدمير والنهب على المؤسسات الإعلامية الحكومية، بل طالت أيضاً وسائل إعلام خاصة، مما يكشف عن توجه واضح للقضاء على المنابر الإعلامية وإسكات الأصوات الوطنية.
استهداف شامل
وتعرض المقر الرئيسي لوكالة السودان للانباء “سونا” بشارع الجمهورية وسط الخرطوم الى تدمير شامل ونهب وتخريب من قبل المليشيا المتمردة وقد طال المعدات والاجهزة وحرق السيارات ضمنها عربة التلفزة والمولدات.
ويستذكر العاملون في الوكالة اللحظات العصيبة التي عاشوها عندما تم احتجاز عدد منهم صبيحة السبت 15 أبريل 2023، ولم يتمكنوا من مغادرة المبنى إلا بعد مرور 72 ساعة من الحصار، وسط أجواء من القلق والترقب.

ولم تكن وكالة السودان للأنباء وحدها في مرمى التدمير، بل طالت الأضرار الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، التي قدرت خسائرها بما يزيد على 30 مليون دولار، وفق تقارير رسمية، وشملت عمليات النهب والتخريب سرقة الأجهزة والمعدات المتخصصة في البث، فضلاً عن تدمير المباني الرئيسية واستهداف المكتبات الأرشيفية، مما أدى إلى فقدان مواد إعلامية وتوثيقية لا تقدر بثمن.

وتعرضت المتاحف الإعلامية أيضاً للنهب، حيث بلغت قيمة الخسائر المسجلة نحو 119,900 دولار، في مشهد يعكس حجم التخريب الممنهج الذي طال ذاكرة الإعلام السوداني.

صور الدمار
ولم تكن الكلمات وحدها كافية لوصف حجم الخراب الذي لحق بمقر وكالة السودان للأنباء، لكن الصور التي التُقطت بعد استعادة الجيش للمبنى كانت أبلغ من أي بيان، فهي تنطق بما عجزت عنه الألسن، وتحكي قصة الخراب الذي حلّ بمؤسسة كانت يوماً منارةً للخبر والمعلومة، أظهرت اللقطات جدراناً متفحمة، وأجهزة ممزقة متناثرة في أركان المكاتب المهجورة، وكأن المكان قد مرّ عليه إعصارٌ جارف، لا يترك خلفه سوى الأطلال.

في زوايا المبنى، بدت آثار النهب واضحة، مكاتب مدمّرة، أوراقٌ مبعثرة تحمل بقايا أخبار لم تُنشر، وكاميرات محطمة كانت يومًا تنقل للعالم صورة السودان، لم يسلم شيء من العبث، حتى أشرطة الأرشيف التي وثّقت تاريخ البلاد الإعلامي، تحولت إلى رماد في زوايا غرف لم تعد تعرف إلا السواد، في ساحة الوكالة، تناثرت بقايا العربات المحترقة، ومنها عربة النقل التلفزيوني التي كانت شاهدةً على سنوات من العمل الصحفي الدؤوب، لكنها اليوم ليست أكثر من هيكل معدني متفحم يروي قصة العنف المجنون الذي لم يترك للإعلام أي فرصة للبقاء.

على مداخل المبنى، كُتبت شعارات المتمردين على الجدران، كأنهم كانوا يحتفلون بمحو صوت الحقيقة، لكن صوت الحقيقة لا يُمحى بجدران مخربة ولا بأجهزة محطمة،يقف المراسلون السابقون للوكالة أمام هذا المشهد الكئيب بعيون دامعة، يستعيدون ذكريات مقاعدهم، أماكنهم المعتادة خلف أجهزة التحرير، أصواتهم التي ترددها أروقة المكاتب، لكن الصمت الآن يطبق على المكان، صمت أشبه برثاء مؤلم لوكالةٍ لم تسقط بقرار إداري، بل سقطت برصاص النهب والتدمير.

ورغم كل ذلك، تبقى الصورة الأوضح هي أن الدمار ليس النهاية، بل بدايةٌ جديدة، فحيثما أُطفئت أضواء القاعات الصحفية قسرًا، هناك من سيعيد إشعالها، وحيثما احترقت الكاميرات، هناك من سيحمل غيرها لينقل الحقيقة، وحيثما اعتقد المتمردون أنهم أنهوا وجود الإعلام الوطني، فإن إرادة إعادة البناء ستثبت أن الإعلام أقوى من الخراب، وأن صوت السودان لن يُخمد مهما كان حجم الدمار.

البث القومي
واستهدفت المليشيا كذلك هيئة البث القومي، التي تتحكم في إرسال القنوات الإذاعية والتلفزيونية، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على استمرار البث في الفترات الأولى من الحرب، وبحسب مصادر رسمية، فإن الخطة التي انتهجتها المليشيا كانت تقوم على السيطرة على مفاصل الإعلام السوداني لمنع إيصال الحقائق إلى المواطنين، وتوجيه الرأي العام بما يخدم أجنداتها.
وكشف وزير الثقافة والإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة، الأستاذ خالد علي الإعيسر، أن مليشيا الدعم السريع وضعت يدها على وكالة السودان للأنباء والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون منذ الساعات الأولى لما وصفه بـ”المحاولة الانقلابية الفاشلة” في منتصف أبريل 2023. وأضاف أن المليشيا خططت لإسكات كل أصوات الإعلام السوداني في مسعى للسيطرة على الرأي العام وطمس الحقائق.

وأوضح الإعيسر أن الاستهداف لم يكن مجرد تخريب عشوائي، بل كان جزءاً من “جهود المليشيا لإحكام قبضتها على البلاد وتهجير المواطنين وتغيير هويتهم السكانية”. وأكد أن هذا الواقع انعكس سلباً على الأداء الإعلامي خلال الأشهر الماضية، لكنه شدد على أن الدولة ماضية في إعادة بناء المؤسسات الإعلامية الوطنية، قائلاً: “بدأنا في وضع أسس جديدة للإعلام السوداني، وسنواصل رغم التحديات”.

المجتمع الدولي
وفي ظل هذا الواقع،طالب وزير الإعلام السوداني المؤسسات الإعلامية الدولية والإقليمية بإدانة التجاوزات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع ضد الإعلام الوطني، مؤكداً أن حرية الإعلام تعد ركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى للسلام والاستقرار.

كما دعا إلى دعم الجهود الحكومية الرامية إلى إعادة بناء قطاع الإعلام، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تأسيس إعلام سوداني حديث يعكس الواقع ويعزز الهوية الوطنية، بعيداً عن حملات التضليل التي استهدفت السودان خلال الأشهر الماضية.

ورغم الدمار الكبير الذي لحق بالمؤسسات الإعلامية السودانية، تؤكد الحكومة عزمها على إعادة بناء القطاع الإعلامي وفق رؤية حديثة تواكب التحديات الراهنة. ويقول الإعيسر في هذا الصدد: “يجب أن نؤسس لدولة سودانية بمفاهيم جديدة، لأن هناك حملات إعلامية تسعى لإضعاف القضية الوطنية وضرب الشراكات الإستراتيجية للسودان”.

وبينما تواصل المليشيا استهدافها للبنية التحتية الإعلامية، تبدو الإرادة السودانية أقوى من محاولات الطمس والإلغاء، في انتظار مرحلة جديدة يتعافى فيها الإعلام السوداني، ليعود صوتاً يعكس حقيقة الواقع ويخدم قضايا الوطن والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top