ارتقى شهيداً في ساحة الواجب ورثاه شعراء وإعلاميون ..
الشهيد المقدم حسن .. حضور فى ذاكرة الشرف والبطولة
الجيش يفقد أحد أبرز قادة الإعلام العسكري باستشهاد المقدم حسن
من “قيلي” بالقضارف إلى ميادين البطولة.. المقدم حسن يرحل في رمضان
البرهان زار القضارف وقدم العزاء في استشهاد ابنها البار…
استقبل وفد صحيفة الكرامة..وكان دائم التوصل مع رئيس التحرير..
رحل الفارس الشجاع.. ترك الميدان والكاميرا وارتقى شهيداً..
تناول الإفطار مع الهرم ابوعركي البخيت قبل أيام من استشهاده
ترك المايكروفون والسلاح.. ورفع الراية الأخيرة في سماء الخلود
صوتٌ في أثير الإعلام العسكري.. بات ذكرى في قلوب المحبين
كان يجمع الصحفيين لنقل تفاصيل المعارك.. واليوم تجمعهم ذكراه..
البقداوي: صائماً مجاهدًاً في يوم مبارك.. حسن إلى علياء الجنان..
الكرامة:رحمة عبدالمنعم
في صباح يوم الجمعة المبارك، وبينما كان صائماً، ارتقى المقدم الركن حسن إبراهيم شهيداً إثر قصف بطائرة مسيّرة استهدفت القصر الجمهوري، بعد وقت وجيز من استعادة الجيش للمقر الرئاسي الذي ظل تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع لنحو عامين. لم يكن حسن مجرد ضابط في القوات المسلحة، بل كان أيقونة الإعلام العسكري، الرجل الذي عرفته الصحافة كجسر يربطها بالمؤسسة العسكرية، وأحد أبرز قادة معركة الوعي في حرب الكرامة.
رجل المهام الصعبة
ومنذ التحاقه بالقوات المسلحة، كان حسن إبراهيم مثالًا للضابط الملتزم، المثقف، والمتفاني في عمله. تدرج في الرتب حتى بلغ رتبة مقدم ركن، وتولى إدارة الإعلام العسكري، حيث عمل بمركز الشهيد عثمان مكاوي الإعلامي، أحد أبرز المراكز الإعلامية التابعة للقوات المسلحة.
لم يكن مجرد إداري في منظومة الإعلام، بل كان قائداً ميدانياً يعرف كيف يمزج بين الانضباط العسكري ومتطلبات العمل الصحفي، يقول الصحفي عبدالروؤف طه، الذي جمعته صداقة بالشهيد منذ عام 2019، إن حسن كان من أكثر ضباط الإعلام العسكري تعاوناً مع الإعلاميين، وإنه لم يكن يمر يوم دون أن يتواصلا، كان آخر ما كتبه له حسن في صباح يوم استشهاده تعليقًا على خبر استعادة القصر: “هسي لو في أمدرمان كان مشيت القصر”، قبل أن تسبقه الشهادة إلى هناك.
أما رئيس تحرير صحيفة الكرامة، محمد عبدالقادر، فقد وصف حسن إبراهيم بأنه “حادي ركب الوفود الإعلامية نحو المناطق المحررة”، مشيداً بحنكته ودقته في ترتيب زيارات الصحفيين إلى مواقع الجيش، بداية من مصفاة الجيلي بعد تحريرها، وصولًا إلى القيادة العامة عقب فك الحصار عنها.
قائد في الميدان
كان حسن إبراهيم نموذجاً لضابط الإعلام العسكري الذي يفهم متطلبات الصحافة وضرورات الأمن العسكري، فاستطاع أن يبني علاقات قائمة على الاحترام والثقة المتبادلة، يقول مدير مكتب الجزيرة في السودان، المسلمي الكباشي، إن حسن كان “عسكرياً تذوق الإعلام حتى ثمل، وإعلامياً تجرّع العسكرية حتى ارتوى”، مشيرًا إلى قدرته الفائقة على إدارة العلاقة المعقدة بين الجيش والصحافة، حيث اجتاز بها حدود الشك إلى أرضية من التفاهم المتبادل.
لم يكن حسن مجرد مسؤول عن الإعلام، بل كان مرجعاً لقادة الجيش في كل ما يتعلق بهذا الملف. يروي الكباشي كيف أنه رأى بأم عينه لواءات في وحدات مختلفة لا يبرمون أمراً يتعلق بالإعلام إلا بعد الرجوع إليه، وهو ما يعكس المكانة التي وصل إليها داخل المؤسسة العسكرية.
أخلاق نبيلة وموعد مع الشهادة
ويصفه كل من عرفه بأنه كان رجلاً واسع الثقافة، متحدثاً مفوهاً، يحمل سمات القادة في لطفه وتهذيبه دون أن يفقد صرامته العسكرية. كانت كلمته الشهيرة “أبشر” مفتاحا ًلتسهيل كل العقبات، وكأنها وعد بالإنجاز مهما كان التحدي.
يحكي الصحفي نزار البقداوي عن علاقته بالمقدم حسن، واصفًا إياه بـ”الأخ الأكبر والعزوة والسند”، بينما كتبت الصحفية والشاعرة داليا إلياس: “حلقت روحك النبيلة نحو مرادها… فالفردوس الأعلى يليق بابتسامتك الطيبة”، مؤكدة أن اسمه لم يكن مجرد مصادفة، بل كان “حسنًا في كل شيء”.
أما رئيس تحرير الكرامة، فكان أكثر إدراكاً لشعور حسن بقرب موعده مع الشهادة، فقد كان يقول له في محادثاتهما: “أي أمة لكي تنهض وتتحرر تلزمها فاتورة عالية من دماء أبنائها”، وكأنه كان يعلم أنه سيدفع هذه الفاتورة بنفسه.
اللحظات الأخيرة
في صبيحة يوم الجمعة، وبينما كانت الطائرات المسيّرة تحوم في سماء الخرطوم، كان حسن إبراهيم يواصل عمله داخل القصر الجمهوري عقب تحريره، يرتب لزيارة إعلاميين كما فعل مراراً، لكن هذه المرة، كانت رسالته الأخيرة للمسلمي الكباشي، التي لم يقرأها، تتعلق بتأجيل وصول الصحفيين بسبب القصف. لم يجب عليها حسن، فقد كان القدر أسرع منه.
استشهد حسن ومعه زملاؤه من الإعلام العسكري، إلى جانب طاقم التلفزيون القومي الذي ضم الإعلامي فاروق الزاهر، المصور مجدي عبدالرحمن، والسائق وجيه جعفر.
وحضر رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، إلى ولاية القضارف لتقديم العزاء في ابنها البار، مثنياً على دوره في خدمة القوات المسلحة، ومع رحيله، فقد الجيش أحد قادته الشباب الذين كان يمكن أن يكون لهم شأن كبير في مستقبل المؤسسة العسكرية.
لكن حسن لم يرحل عن ذاكرة زملائه وأصدقائه، فهو الجرح الجديد في سجل الفقد، والاسم الذي سيظل حاضراً كلما ذُكر الإعلام العسكري في السودان.
وداعٌ يليق برجلٍ استثنائي
رحل المقدم حسن إبراهيم وترك وراءه إرثاً من البذل والعطاء، لا في ميادين القتال فحسب، بل في ساحة الإعلام العسكري التي كان أحد فرسانها المخلصين. لم يكن مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان صديقاً للإعلاميين، جسرٍاً بين الجيش والصحافة، و قد استقبل وفد صحيفة الكرامة خلال زيارته الأخيرة إلى السودان قبل شهرين ، حريصاً كعادته على تسهيل مهمتهم.
ابن منطقة “قيلي” بمحلية المفازة بولاية القضارف، لم يترك فقط منصباً عسكرياً شاغراً، بل خلّف وراءه أبناءً (بنين وبنات) وأسرة فقدت عائلها وسندها، اليوم، مسؤولية الجيش الذي خدمه حتى الشهادة أن يرعى أسرته، وفاءً لرجلٍ بذل حياته من أجل وطنه.
حتى أيامه الأخيرة، ظل حسن يحتفي بالحياة، فقد تناول قبل أيام افطاراً رمضانياً برفقة أبنائه في أم درمان، وجلس مع الهرم الغنائي أبو عركي البخيت، كما ذكر المخرج الكبير شكر الله خلف الله في رثائه له، وكأنها لحظة وداع غير معلنة قبل أن يخطفه القدر إلى علياء الشهادة.
رحم الله المقدم حسن إبراهيم، وجعل ذكراه حاضرة في سجل الشرف والبطولة، وكتب له مقعدًا في جنات الخلد، كما عاش فارساً رحل بشرفٍ وكرامة.






