العدالة المعلّقة: لاهاي تُحصّن الإبادة بتحفّظ قانوني..
حين ينتصر الحبر على الدم..!!
المحكمة اغلقت بوابات العدالة أمام شعب يُباد “على الهواء مباشرة” ..
نالت الإمارات حصانة فورية باسم “التحفّظ السيادي”، بينما تمت محاسبة صربيا
آلاف الضحايا والتقارير الدامغة لم تكفي لتجاوز توقيع اماراتي قديم…
الامارات كيان وظيفي ضمن النظام الدولي، ينفّذ المهام القذرة ويُجمّلها بخطاب الاعتدال
بقلم: صباح المكّي
مقدمة:
حين وقف السودان أمام أرفع محكمة في العالم مطالبًا بالعدالة لضحايا دارفور، لم يكن يتوقع أن تُغلق الأبواب باسم بند قانوني يعود إلى عقدين مضيا، في عالم يُفترض أن تكون فيه العدالة الدولية سدًا منيعًا أمام جرائم الإبادة الجماعية، أصدرت محكمة العدل الدولية بتاريخ 5 مايو 2025 قرارًا صادمًا برفضها النظر في قضية السودان ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، بشأن التواطؤ في ارتكاب إبادة جماعية في دارفور، استنادًا إلى تحفظ قانوني كانت الإمارات قد سجلته منذ انضمامها إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية عام 2005.
بهذا القرار، أغلقت المحكمة بوابات العدالة أمام شعب يُباد على الهواء مباشرة، واختارت أن تلوذ بحرفية النصوص على حساب فداحة الواقع، في سابقة تُعيد طرح سؤال جوهري:
هل تحكم العدالة الدولية بالنصوص أم بالمبادئ؟ بالقانون أم بالضمير؟
*تحفّظ السيادة أم حصانة للجريمة؟*
كغيرها من بعض الدول، كانت الإمارات قد قدّمت تحفظًا على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وهي المادة التي تمنح محكمة العدل الدولية صلاحية النظر في النزاعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق أو تنفيذ الاتفاقية هذا التحفظ، الذي قد يبدو شكليًا في ظاهره، تحوّل في قضية السودان إلى أداة قانونية لتفادي المساءلة عن دعم إبادة جماعية موثقة بحق مجتمع المساليت في دارفور.
في مقال تحليلي نشر بتاريخ 30 أبريل 2025 في موقع Middle East Eye بعنوان:
“ICJ urged not to throw Sudan’s UAE genocide case out on a ‘technicality’”،
سلّط المستشار القانوني في مركز راوول والنبرغ لحقوق الإنسان، يونا دايموند، الضوء على هذه الإشكالية، مشبّهًا التمسك بالتحفظ القانوني بقول مرتكب الإبادة:
“أعدكم ألا أرتكب الجريمة، ولكن لا يمكنكم محاكمتي إذا فعلتُ.”
وحذر دايموند من أن تحويل التحفظ القانوني إلى أداة للإفلات من العقاب يُعد تقويضًا جوهريًا لمنظومة العدالة الدولية التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية.
رأي دايموند لم يكن منفردًا؛ فقد أيده قضاة وخبراء قانون دولي بارزون، من ضمنهم القاضي ريتشارد غولدستون، والمدعي العام السابق في قضايا يوغوسلافيا ورواندا، وهانس كوريل، المستشار القانوني السابق للأمم المتحدة — جميعهم شددوا على أن الهدف الجوهري من الاتفاقية يتجاوز الصياغات التقنية، لا سيما عندما تكون أمامنا جرائم إبادة جماعية موثقة كما هو الحال في دارفور.
ما قدّمته الإمارات لم يكن “تحفّظًا سياديًا”، بل ثغرة قانونية استُخدمت كغطاء استباقي لتوفير حصانة لاحقة بعد تسليح وتمويل ميليشيا ارتكبت إبادة جماعية.
*ازدواجية لاهاي: بلغراد تُحاكم، وأبوظبي تُحصَّن*
في قلب هذه المفارقة القانونية تقف مقارنة فاضحة:
كيف تعاملت محكمة العدل الدولية مع تحفظ صربيا حين اتُهمت في إبادة سريبرينيتسا؟ وكيف تعاملت مع تحفظ الإمارات حين اتُّهمت بدعم إبادة دارفور؟
في قضية البوسنة ضد صربيا عام 2007، كانت صربيا قد أبدت تحفظًا مشابهًا على المادة التاسعة، إلا أن المحكمة قررت المضي قدمًا، معتبرة أن صربيا وريثة ليوغوسلافيا بموجب إعلان رسمي، وأن سلوكها خلال الإجراءات، بما في ذلك عدم الطعن المبكر في الاختصاص، يُعد قبولًا ضمنيًا بولاية المحكمة.
نتيجة لذلك، نُظرت القضية، واستُكملت الإجراءات، وصدر حكم يدين صربيا بالفشل في منع الإبادة، رغم عدم إدانتها بارتكابها مباشرة.
أما في قضية السودان ضد الإمارات، فقد اتخذت المحكمة منحىً مغايرًا تمامًا، إذ تمسكت بتحفظ الإمارات كمانع أولي للاختصاص (prima facie)، ورفضت النظر في الدعوى من أصلها، بل أمرت بشطبها من جدولها العام دون التطرّق إلى مضمون الأدلة أو الاتهامات.
هكذا، بينما نالت الإمارات حصانة فورية باسم “التحفّظ السيادي”، حوسبت صربيا رغم وجود تحفظ مماثل. المفارقة أن آلاف الضحايا وتقارير حقوقية دامغة لم تكن كافية لتجاوز توقيع إماراتي قديم.
النتيجة؟ تحوّلت التحفظات من استثناءات إجرائية إلى دروع حصانة لأصحاب النفوذ، وأُعيد تعريف العدالة كخيار سياسي لا كواجب قانوني.
*قانون مزدوج… ونظام وظيفي*
السؤال المركزي يبقى: لماذا تعاملت المحكمة بازدواج في المعايير؟
الجواب لا يحتاج تأويلًا قانونيًا، بل فهمًا بسيطًا لمعادلات القوة والنفوذ: المال، التحالفات، والمصالح الاستراتيجية.
فالإمارات ليست “دولة هامشية”، بل كيان وظيفي ضمن النظام الدولي، ينفّذ المهام القذرة ويُجمّلها بخطاب الاعتدال تسوّق نفسها كـ”شريك في الاستقرار” و”صوت للاعتدال” و”حليف في مكافحة الإرهاب”، بينما تبني خلف الستار إمبراطورية من الفوضى والمرتزقة.
● تموّل الانقلابات وتسليح الميليشيات؛
● تشتري صمت المجتمع الدولي عبر صفقات واستثمارات هائلة؛
● تضخّ المليارات في أسواق القرار الغربي؛
● وتُعد زبونًا رئيسيًا في سوق الأسلحة الغربية.
لذا لم يكن قرار المحكمة تجسيدًا للعدالة، بل انحناءً فاضحًا أمام سطوة المال والمصالح، مغلّفًا بلغة قانونية شكلية. لقد تحول التحفظ القانونى إلى حصانه سياسية للافلات من العقاب لا لحماية السيادة،بل لحماية المشروع باكمله.
*الوثائق لا تكفي حين يكون الجاني محصّنًا*
ما قدّمه السودان أمام المحكمة لم يكن سردية إعلامية، بل أدلة ميدانية دامغة:
● أسلحة متطورة من طراز AH4 صينية الصنع وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر خطوط جوية مرتبطة بالإمارات؛
● طائرات مسيّرة من طراز FH-95 هبطت في مطار نيالا الخاضع للميليشيا؛
● مجازر ممنهجة ضد مجتمع المساليت واعترافات موثقة من ناجين وناجيات؛
● تقارير من مركز راوول والنبرغ وجامعة ييل توثق نمطًا ثابتًا من جرائم الإبادة الجماعية.
ورغم هذا الزخم من الأدلة، غلب الحبر على الدم، وعلَت الصيغة على الحقيقة، وانحاز القانون إلى وثيقة تحفظ قديمة بدلًا من واجب حماية الضحايا.
*حين تسقط لاهاي ويعلو صوت دارفور: من تحفّظ العدالة إلى جريمة الصمت الدولي*
من قلب هذا المشهد المتصدّع، لا يمكن تجاهل الحقيقة الكبرى التي يعرفها الجميع ويتفادون النطق بها: أن القضاء الدولي — مهما ارتدى من عباءات الحياد — ليس بمنأى عن تأثير الجغرافيا السياسية، ولا عن سطوة العواصم الكبرى.
في تصريح لافت خلال مقابلة مع شبكة CNN، كشف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، أنه تلقّى تحذيرًا مباشرًا من أحد قادة العالم — ويُفهم ضمنًا أنه الرئيس الأميركي جو بايدن — قال له حرفيًا:
“لا يمكنك توجيه اتهام إلى نتنياهو.”
وأضاف خان، بوضوح مذهل، أن هذا الزعيم أبلغه بأن المحكمة الجنائية الدولية “لم تُنشأ لمحاكمة قادة العالم الأول، بل صُمّمت لمحاكمة قادة العالم الثالث وأفريقيا.”
هذا التصريح لا يفضح فقط التحيّز البنيوي في منظومة العدالة الدولية، بل ينسف ما تبقّى من وهم الحياد، ويؤكد ما كانت المجتمعات المتضرّرة تهمس به لعقود: أن العدالة، كما تُمارس اليوم، تُدين الضعفاء وتُحصّن الأقوياء.
فمنذ نشأتها، لاحقت المحكمة الجنائية الدولية زعماء دول إفريقية وعربية، وترددت في فتح ملفات تتعلق بفلسطين، أو أفغانستان، أو بورما، إلا عندما سمحت التوازنات. أما إذا كان الفاعل حليفًا نافذًا، فإن المحكمة تتراجع، أو تصمت، أو تتذرّع بتحفّظ قديم.
بل إن النظام العالمي، كما صمّمه المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية، جعل العدالة رهينة لمجلس الأمن — حيث تمتلك الدول الكبرى حق النقض، فتُعطّل به كل محاسبة تمس حلفاءها أو أدواتها. وهكذا، تحوّلت المؤسسات القضائية الدولية إلى أدوات انتقائية، تُدين من لا سند له، وتُحصّن من له نفوذ وثروة وتحالفات.
ولذلك، فإن قرار محكمة العدل الدولية ليس مجرد إخفاق إجرائي، بل سقوط أخلاقي مدوٍّ، وانكسار لوظيفة العدالة أمام هيمنة السياسة وتحالف الصمت مع الجريمة. لكنه، رغم قسوته، ليس نهاية المعركة.
إذا كانت لاهاي قد خضعت للضغوط، فإن التاريخ لا يخضع.
وإن صمتت المحاكم، فإن الدم يتكلّم.
وإن ارتبكت القوانين، فإن الوثائق، والذاكرة، والمنابر، والمقاومة، ستظلّ تنطق بما عجزت عنه الأحكام.
فالعدالة، إن لم تكن شاملة، تتحوّل من حارس للحق إلى حجاب للجريمة — وإذا سقطت لاهاي، فالتاريخ لا يسقط.
بل يُسجّل، ويُدين، ويُمهد لجولة قادمة… لا تعرف التحفظ، ولا تنسى.
*حين تَصمت المحاكم… ويتكلم الدم*
القرار الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، وإن تنكّر بلبوس القانون، يحمل في جوهره تداعيات أخطر من مجرد رفض دعوى. فهو:
يُفرغ اتفاقية منع الإبادة الجماعية من مضمونها الردعي؛
يفتح الأبواب أمام جرائم بالوكالة تُنفّذ بأيدٍ مأجورة وتحفظات مُعلّبة؛
ويغرس في وجدان الضحايا شعورًا مريرًا: أن القانون لا يحميهم، بل يُشرعن صمت العالم على مأساتهم.
لكن هذا الانهيار الأخلاقي لا يُنهي المعركة، بل يعيد تعريفها. فالمعركة لم تعد قانونية فقط، بل سياسية، سردية، أخلاقية، وعسكرية.
لا عدالة تُبنى على رماد المجازر، ولا قانون يُحترم في ظل ميليشيا منفلتة تحتمي بإمضاء إماراتي وتقتل باسم الصفقات.
وحين تتحوّل العدالة إلى قناع للجريمة، لا تعود عدالة… بل امتداد للعدوان.
وإذا كانت لاهاي قد خضعت للضغوط، فإن الوعي لا يُقهر.
والصوت السوداني لا يُقمع داخل قاعة محكمة، بل يتردّد في كل منبر، وكل وثيقة، وكل ذاكرة نزفت بدارفور.
المحكمة اثبتت بأن الضمير العالمى غارق فى النفاق ومطمور تحت رماد المصالح.
*من لاهاي إلى بورتسودان: حين انكشف الوجه الحقيقي للإمارات*
لم يكن قرار السودان بقطع علاقاته مع الإمارات وليدَ حكمِ محكمة العدل الدولية، بل جاء ردًا وطنيًا سياديًا على تصعيد عسكري وقح، تجاوز كل الخطوط الحمراء. فالعدوان بالطائرات المسيّرة على مدينة بورتسودان — العاصمة الإدارية المؤقتة — لم يكن مجرد تحرك ميداني، بل إعلان حربٍ سافر، تقف خلفه أبوظبي بكامل ترسانتها من المال والسلاح والمرتزقة.
في السادس من مايو، وبينما كانت أروقة القانون الدولي لا تزال تئنّ تحت صدمة لاهاي، كانت بورتسودان تُقصف في وضح النهار: خزانات الوقود تحترق، الكهرباء تنقطع، الميناء يُستهدف، المطار يُضرب، وفندق مجاور للرئاسة يتحوّل إلى ساحة لهب. لم يكن ذلك تمردًا عشوائيًا، بل ضربة استراتيجية لسيادة السودان، ورسالة إرهابية تستهدف قلب الدولة وممرها الإنساني الأخير.
على مدى عامين، ظلّت الإمارات تموّل هذا الجحيم المستعر: أسلحة متطورة، طائرات مسيّرة، مرتزقة، ودعم دبلوماسي وإعلامي لم ينقطع. أنكروا، نافقوا، راوغوا… لكن الحقيقة كانت تُكتب بدماء السودانيين، من الفاشر إلى الجنينة، ومن نيالا إلى قلب الخرطوم. أما حين طالت ألسنة النار بورتسودان، فقد بلغ السيل الزبى، وسقطت ورقة التوت عن اليد التي تُشعل الحرب وتختبئ خلف خطاب “الاستقرار الإقليمي”.
وبناءً عليه، أعلن مجلس الدفاع والأمن السوداني — باسم الشعب وكرامة الوطن — قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة العدوان، واعتبار الإمارات تهديدًا صريحًا للأمن القومي السوداني ولأمن البحر الأحمر بأسره، مع تأكيد حق السودان الأصيل في الدفاع عن نفسه، استنادًا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
لقد كانت لاهاي، بكل تناقضاتها، مجرد مقدمة قانونية باهتة. أما الحقيقة الكاملة، فتكشفت في سماء بورتسودان، حيث أسقطت الطائرات المسيّرة آخر الأقنعة عن “الشريك الإقليمي”، وانكشف مشروع استعماري ناعم، يتحدث بلغة السلام، بينما يغرس خناجر الموت في خاصرة الأمة.
وهكذا، يبدأ فصل جديد من المواجهة — مواجهة لا تعرف التردد، ولا تعترف بالتواطؤ، ولا تنحني أمام الصفقات المشبوهة.
إنها مواجهة من أجل الكرامة، من أجل السيادة، من أجل السودان.
وهكذا، لا تُختتم فصول المواجهة عند لاهاي، ولا تنتهي عند بورتسودان. ما كُتب بالدم لا يُمحى بحبر الأحكام، وما انتُزع بالقوة لا يُستردّ بالرجاء.
سقط القناع، وانكشف المشروع.
أما السودان… فلم يقل كلمته بعد.
كل_القوة_دارفور_جوه
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
#عزيز_انت_ياوطني
bitalmakki@gmail.com





