حين يصبح المال سلاحًا… والفوضى دولة
السودان تحت غزو إماراتي – (3b)
الحرب غزو خارجي منسّق تقوده الإمارات عبر ميليشيا مرتزقة…
ما حدث مشروع استعماري لإعادة تشكيل الدولة وفق مصالح خارجية
السودان محطة ضمن خط تصعيد إقليمي يشمل العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا..
*مقدمة: من السرديات إلى الأدوات*
في الفصول السابقة، فككنا الرواية المُضلّلة التي اختزلت حرب السودان في “صراع داخلي بين جنرالين”، وأثبتنا، من خلال الأدلة الميدانية والوثائق القانونية، أنها ليست سوى غزو خارجي منسّق تقوده الإمارات عبر ميليشيا مرتزقة، بدعم إقليمي ودولي.
في الجزء الأول، كشفنا زيف الخطاب الإعلامي والدبلوماسي، وأعدنا تعريف الحرب كمشروع استعماري لإعادة تشكيل الدولة وفق مصالح خارجية. وفي الجزء الثاني، قدّمنا أدلة ملموسة: أسلحة مهرّبة، شكاوى دولية، وشبكات إمداد.
أما الفصل الأول من الجزء الثالث، فاستعرض الأصول النظرية للمخطط: من خرائط برنارد لويس إلى عقيدة “الفوضى الخلاقة”، التي تحوّلت لاحقًا إلى أدوات تنفيذ مباشرة بيد محمد بن زايد.
لكن الخرائط لا تُنفَّذ بالشعارات. الفوضى مشروع مركّب يتطلب تمويلًا وتحالفات وهياكل. لا يُفكك بلد إلا عندما تتحول جغرافيته إلى سوق، وسيادته إلى صفقة. من هنا يبدأ هذا الفصل: من النظرية إلى التطبيق — حيث لم تعد السيطرة تُفرض بالسلاح، بل تُشترى، وتُرسَم الخرائط بالصفقات العابرة للحدود، لا بالحبر، بل بفوضى مبرمجة.
*الإمارات: من كيان هش إلى مقاول تفكيك إقليمي*
رغم كوارث “الفوضى الخلاقة”، لم تتخلَّ عنها واشنطن. وكما أوضح جيفري ساكس في مقاله عام 2022 بعنوان ، *_السردية الزائفة للغرب حول روسيا والصين_*، لم تتراجع الولايات المتحدة عن مشروع الهيمنة، بل أعادت تصديره بأدوات أقل تكلفة وأكثر خداعًا: الحروب بالوكالة لتفويض المهام القذرة إلى وكلاء محليين تحت شعارات براقة كـ”الديمقراطية” و”الاستقرار”، العقوبات، والتمويل السري لخلق اضطرابات داخلية. كل ذلك يُقدَّم بواجهة حقوقية وإنسانية تُخفي جوهره الاستعماري.
في هذا الإطار، برزت الإمارات كأكثر الوكلاء كفاءة. لم تعد مجرد كيان وظيفي هش، بل تحوّلت إلى أداة معقّدة تدمج المال بالقوة، والدبلوماسية بالتضليل، وتُسوّق مشروع التفكيك بلغة استثمارية مزخرفة، السودان لم يكن استثناءً، بل محطة ضمن خط تصعيد إقليمي يشمل العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا. الفرق أن أبوظبي، لا واشنطن، أصبحت الواجهة: تموّل، تسلّح، وتضلّل، بينما تلعب ببراعة دور “الوسيط”.
منذ نشأتها عقب الانسحاب البريطاني، صُمّمت الإمارات ككيان ريعي خاضع، مُصمَّم ليُدار لا ليُنتج. ووفق توصيف برنارد لويس، كانت ضمن “الكيانات الأدوات” — بلا مشروع وطني، بل بخدمة خارجية مبرمجة.
بعد 2011 وثورات الربيع العربى، ومع تصاعد القلق الغربي من أي تحول ديمقراطي حقيقى في المنطقة، برز محمد بن زايد كمرشح مثالي لأداء الدور: حاكم مطلق لا يُحاسب، طموح بلا رقيب شعبي، وثروات تتيح تنفيذ المهام. هكذا تبلور “نموذج بن زايد”: سلطوية مغلقة تُقصي الدين، تُكمم التعددية، وتحتكر المجال العام باسم الأمن. لم يُفرض هذا النموذج من الخارج، بل اعتنقته أبوظبي طوعًا؛ لا خدمةً لمشروع وطني، ، بل لأداء دور المقاول الإقليمي.
تنقلت الإمارات من هامش التأثير إلى مركز صناعة القرار؛ من الوكالة إلى الإدارة، حتى غدت الضامن التنفيذي لمنظومة “الفوضى الموجهة”. لم تُستخدم فقط، بل احتفلت بوظيفتها كأداة تقسيم ناعمة تُنفّذ خرائط استعمارية بخطاب دبلوماسي مُضلِّل.
*السودان في قلب المشروع: تفكيك ممنهج لا مصادفة جيوسياسية*
لطالما مثّل السودان هدفًا استراتيجيًا في خرائط الهيمنة الغربية. موقعه الجيوسياسي وثرواته الهائلة جعلاه خطرًا محتملًا إذا بقي موحدًا وفاعلًا.
في خرائط برنارد لويس المسرّبة، طُرِح تقسيم السودان إلى كيانات يسهل تطويعها:
*• جنوب مسيحي*، وقد تحقق انفصاله عام 2011.
*• شمال نوبي* معزول ثقافيًا ومرتبط بمصالح وادي النيل.
*• وسط إسلامي* يُمثّل بقايا الدولة القديمة مثقل بالصراعات ومنزوع السيادة.
*• إقليم دارفور* ككيان منفصل غني بالذهب والنفط واليورانيوم يعاد هندسته سياسيًا واقتصاديًا للاستقطاب الدولي.
لم يكن الهدف تقسيم الجغرافيا فقط، بل إضعاف السودان حضاريًا واستراتيجيًا. تدمير المقومات الحضارية والسياسية التي تؤهل السودان لأن يكون دولة موحدة، مستقلة، وفاعلة.
الحرب إذًا لم تبدأ من الميدان، بل من غرف التخطيط.
*من الوكيل إلى المهندس: حين يصبح المال سلاحًا… والفوضى دولة*
لم تَعُد الإمارات كيانًا يسعى إلى دور إقليمي فحسب، بل أصبحت نموذجًا وظيفيًا متكاملًا للاستعمار الناعم. فهي تُعيد هندسة الجغرافيا السياسية عبر أدوات السوق لا المدافع، وتُجمّل الخراب بخطاب دبلوماسي مصقول، محمول على لافتات مضللة مثل “الاستقرار” و”التنمية”.
أبوظبي اليوم تُشغّل ما يشبه “بنك دم سياسي” يدير شبكة متشابكة من التمويل والتسليح والدعاية، ويُسوّق مشروع التفكيك كـ”سلام شامل”. إنه استعمار لا يزحف بالدبابات، بل يتسلّل من خلال التحويلات البنكية والعقود الاستثمارية.
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تكن الإمارات مراقبًا محايدًا، بل مهندسًا فعليًا لإعادة رسم الخرائط: اشترت الولاءات، نهبت الموارد، ومنحت العدوان غطاءً دبلوماسيًا باسم “الحل السياسي”.
هذا الانخراط لم يكن ظرفيًا أو عشوائيًا، بل جزءًا من منظومة استراتيجية محكمة تهدف إلى تأسيس اقتصاد ظل يُدار خارجيًا، يُنهك الدولة ويُعيد إنتاج تبعيتها لصالح تكتلات إقليمية وعابرة للحدود. وهكذا، أُعيد تعريف أدوات السيطرة: تحوّل المال إلى سلاح، والسيادة إلى صفقة، والحرب إلى تجارة، بينما رُوّج للفوضى كفرصة استثمارية واعدة، بلغة ملساء ومصطلحات “تنموية”..
خطورة هذا النموذج في قابليته للتكرار. لا يحتاج إلى اجتياح عسكري، بل يخترق المؤسسات من الداخل: من بوابات السوق، ومنصات الإعلام، والتحالفات المرنة، ووكلاء محليين. وهكذا في هذا المشهد المعقّد، تم إقصاء الدولة الوطنية، والجغرافيا تُباع في مزاد النفوذ، وسط صمت دولي يُشترى بروايات مصطنعة.
وإذا نجح هذا النموذج في السودان، فلن يُعد إنجازًا استراتيجيًا لأبوظبي فحسب، بل بعثًا حيًا لخرائط التقسيم التي رُسمت في دهاليز القوى الكبرى، وأُعيد تفعيلها في عموم الجغرافيا العربية — من تخوم إفريقيا إلى عمق الشرق الأوسط.
وإذا لم يُكسر هذا النموذج في السودان، فسيتمدد كداءٍ معدٍ، يهدد ما تبقى من بنية الدولة الوطنية تحت قناع “الإمارات الوظيفية” التي تُدار عن بُعد وتُموّل بخطاب ناعم.
في السودان، تكشفت الوظيفة الحقيقية للمشروع. فمحرّك الخراب لم يكن من أطلق النار فقط، بل من موّل وسلّح وضلّل، ثم غسل الدماء بشعارات السلام. الهزيمة لا تبدأ باحتلال الأرض، بل بمصادرة الوعي، وخطف اللغة، حين يُمنح الجلاد صفة “الوسيط”، وتُغلف الجريمة بعبارة “مبادرة سلام”. من هنا تبدأ المواجهة: معركة على المعنى، والكرامة،والوعى والسيادة.
ليست الحرب في السودان صراعًا بين ميليشيا والدولة، بل مشروع هندسي لإعادة إنتاج الفوضى بوصفها نظام حُكم. *إنه مشروع تقوده دويلة طارئة على التاريخ والجغرافيا*، تشتري الخرائط وتبيع السيادة، وتدير الحرب بسلاح المال وتُسوّقها بلغة الاستقرار.
*هندسة الفوضى: الأذرع الأربع وخريطة التطبيق*
إذا كانت خرائط تُرسم في مراكز التخطيط الغربية، فإن التنفيذ العملي يجري من أبوظبي. تجاوزت الإمارات مرحلة الطموح، وتحوّلت إلى أداة ممنهجة تُدير الهدم الجيوسياسي بدقة ووظيفة متعددة المستويات عبر أربع أذرع مترابطة:
*• التمويل*: ضخ الأموال لدعم الانقلابات والميليشيات، بهدف تفكيك الدولة المركزية وتحويلها إلى كيانات تابعة تُدار عن بُعد وتُستخدم كأدوات نفوذ مرنة.
*• اللوجستيات*: إدارة مسارات تهريب السلاح وتأمين الإمدادات عبر شركات واجهة وطائرات خاصة، لضمان استدامة الصراعات خارج الأطر القانونية.
*• الدبلوماسية التجميلية*: تقديم مشاريع السيطرة كأنها مبادرات سلام، وتوفير غطاء قانوني للوكلاء عبر تحالفات دولية تُضفي شرعية وهمية على مشاريع الاحتلال الناعم.
*• الإعلام الموجّه*: بناء سرديات تُعيد رسم الأدوار. فتصوّر المعتدي كوسيط، وتجمّل التدخل تحت عناوين كـ”التنمية” “الوساطة” و”السلام الإقليمي”، لتبييض الانقلابات والجرائم وشيطنة المقاومة.
*خريطة التطبيق الميداني*
*• في السودان*: تسليح ميليشيا الدعم السريع، تشغيل المرتزقة، وشرعنة التمرد عبر مسارات تفاوض تُقصي الدولة وتمنح الوكلاء مشروعية زائفة.
*• في اليمن*: دعم انقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي، السيطرة على الموانئ، وتشكيل أجهزة أمنية موازية تُقوّض الدولة الموحدة.
*• في ليبيا*: تسليح خليفة حفتر، استخدام طائرات مسيّرة، شراء الولاءات، وتفكيك المؤسسات المركزية عبر صفقات تخدم التقسيم الواقعي للدولة.
*• في القرن الإفريقي*: إقامة قواعد عسكرية على الممرات البحرية، دعم انفصال أرض الصومال، والعبث بالتوازن الإقليمي.
*• في الإعلام الدولي*: تسويق التطبيع والمبادرات الإبراهيمية كحلول شاملة، مقابل شيطنة الحركات الرافضة للتبعية أو التقسيم، وإقصاء أي صوت وطني مستقل.
*تمهيد للجزء الرابع: الصمت شريك في الجريمة*
ما كشفناه حتى الآن يبيّن أن الفوضى لا تُصنع بالرصاص فقط، بل تُحصّن بالصمت الدولي، وتُغسل بخطاب ناعم يمنح الجلاد صفة “الوسيط”.
في الجزء القادم، ننتقل من الجغرافيا الإقليمية إلى كواليس المسرح الدولي، حيث يتكشّف التواطؤ:
• كيف وفّرت لندن الغطاء السياسي داخل مجلس الأمن.
• كيف استخدمت أوروبا “المساعدات الإنسانية” كغطاء لتبييض الانحياز وغسل آثار التدخل.
• كيف مثّلت الولايات المتحدة، عبر صمتها الانتقائي، مظلة لإعادة تعريف العدوان كـ”عملية سلام”.
• كيف تحوّل “المجتمع الدولي” من مراقب إلى شريك في تبييض الجريمة وتعطيل المحاسبة.
السؤال لم يَعُد: من أشعل النار؟
بل: من مهّد لها الطريق؟ ليست الجريمة فيمن أطلق الرصاص فقط، بل فيمن صاغ السردية، وأدار المسرح، وخرج من المشهد متنكّرًا في هيئة وسيط سلام؟
*يتبع…*
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
#السودان_يحاكم_الامارات_دوليا
bitalmakki@gmail.com




