كبسولة وعي كيف تُستَخدَم العقوبات كأداة هندسة جيوسياسية؟ لأعلى سعر:السياسة الأميركية في المزاد (1)

كبسولة وعي

كيف تُستَخدَم العقوبات كأداة هندسة جيوسياسية؟

لأعلى سعر:السياسة الأميركية في المزاد (1)

السودان تعرض لسلسلة عقوبات غُلّفت بشعارات “حقوق الإنسان” و”مكافحة الإرهاب”…

جوهر الاستهداف ظل متمركزًا في المؤسسة العسكرية السودانية..

وحين يُدار البيت الأبيض بعقلية التاجر، تتحوّل السيادة إلى “صفقة”..

*بقلم صباح المكي*

لم تكن السياسة الأميركية تجاه السودان استجابة لانتهاكات طارئة، بل جزءًا من استراتيجية طويلة لكبح أي مشروع سيادي مستقل في قلب القارة.
فمنذ الثمانينيات، تعرّض السودان لسلسلة من العقوبات غُلّفت بشعارات “حقوق الإنسان” و”مكافحة الإرهاب”، لكنها كانت في جوهرها أدوات ضغط لإعادة صياغة موقع السودان ضمن منظومة التبعية الدولية. يتغيّر الرؤساء الأميركيون، ولا تتغيّر الاستراتيجية.

جوهر الاستهداف ظل متمركزًا في المؤسسة العسكرية السودانية، باعتبارها نواة السيادة الصلبة. وكلما استعادت زمام المبادرة، تصاعد الضغط.
وحين يُدار البيت الأبيض بعقلية التاجر، تتحوّل السيادة إلى صفقة، والعقوبات إلى عملة مقايضة، والدبلوماسية إلى سوق نفوذ. وهذه هي بالضبط سياسة “الخنق المرحلي”، حيث تتبدّل العناوين وتبقى الغاية واحدة: إخضاع السودان وكسر إرادة الاستقلال.

*من العقوبات إلى الاتهامات: أكثر من ثلاثون عامًا من الخنق الممنهج للسودان*

بدأت العقوبات الأميركية على السودان عام 1988 بذريعة التخلف عن سداد الديون، ثم تطورت في 1993 إلى إدراجه في “قائمة الدول الراعية للإرهاب” عقب استضافة أسامة بن لادن. وفي 1997، أصدر الرئيس بيل كلينتون الأمر التنفيذي رقم 13067 بفرض عقوبات شاملة شملت تجميد الأصول وحظر الاستثمار. وبعدها بعام، في 1998، قصفت واشنطن مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بزعم إنتاج مواد كيميائية، وهي تهمة ثبت زيفها لاحقًا، مما كشف مبكرًا عن قابلية هذه الاتهامات للتوظيف السياسي كسلاح تكتيكي.

ورغم التعاون الأمني مع الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، استمرت العقوبات بتشريعات إضافية مثل “قانون سلام السودان” (2002) و”قانون عقوبات دارفور” (2006)، دون مراجعة جدية رغم التحولات السياسية والميدانية في البلاد. وحتى بعد تخفيف محدود لبعض القيود، أبقت واشنطن على شبكة معقّدة من العقوبات الفعالة، تُدار عبر تراخيص عامة تُمنح بشكل انتقائي لمنظمات إغاثية ودولية، مما يؤكد أن العقوبات تُستخدم بمنطق سياسي مشروط، لا كأداة قانونية محايدة.

في 13 يناير 2017، أصدرت إدارة أوباما القرار التنفيذي رقم 13761 لتخفيف جزئي لبعض العقوبات، وأعلنت إدارة ترامب لاحقًا في ديسمبر 2020 عن رفع اسم السودان من “قائمة الإرهاب”. ومع ذلك، لم تُرفع منظومة العقوبات فعليًا، بل أُعيد تدويرها بصيغ جديدة، مع الإبقاء على بنية المنع الاقتصادي عبر قوانين مثل “قانون إصلاح العقوبات التجارية وتعزيز الصادرات” (TSRA)، واستمرار تطبيق قاعدة “50% Rule” التي تتيح تجميد أي كيان تمتلكه جهة خاضعة للعقوبات بنسبة 50% أو أكثر — وهو ما شلّ فعليًا النظام المصرفي السوداني (المصدر: وثائق وزارة الخزانة الأميركية، 2021).

وفي يناير 2025، استُخدمت هذه البنية القانونية مجددًا لاستهداف القيادة الوطنية، حيث فُرضت عقوبات على الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، وعلى منظومة الصناعات الدفاعية، إلى جانب عدد من رجال الأعمال والشركات المتهمة بالتوريد غير المباشر. واللافت أن هذه العقوبات جاءت بعد أسبوع واحد من إجراءات مشابهة استهدفت قائد ميليشيا الدعم السريع، في محاولة لإظهار “توازن زائف”، بينما كانت العقوبات الموجّهة للدولة الوطنية أوسع نطاقًا وأكثر تأثيرًا.

*آليات التحقيق في الأسلحة الكيميائية: المعايير والتجارب*

تُشرف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)على تنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتُعد الجهة المخوّلة قانونيًا وفنيًا بالتحقيق في أي ادعاء يتعلق باستخدام هذه الأسلحة. ويعتمد التحقيق الدولي على سلسلة من الخطوات المتسلسلة والشفافة، تبدأ بتقديم طلب رسمي من دولة عضو في الاتفاقية أو من مجلس الأمن، ثم إرسال بعثة تقصّي حقائق تضم خبراء مستقلين لجمع الأدلة من موقع الحادثة، بما يشمل عينات من التربة والهواء والمياه، بقايا الذخائر، والأنسجة البشرية. تُحلل هذه العينات في مختبرات دولية معتمدة، إلى جانب توثيق الشهادات والأعراض الطبية من الضحايا والشهود، ليصدر في النهاية تقرير فني رسمي يُرفع إلى مجلس الدول الأعضاء في المنظمة.

وقد شهد الملف السوري تطبيقًا متقدمًا لهذه الآليات؛ حيث أنشأ مجلس الأمن عام 2015 “الآلية المشتركة للتحقيق (JIM)” بموجب القرار 2235، والتي خلصت في حادثة خان شيخون (إدلب، أبريل 2017) إلى استخدام غاز السارين، وحمّلت المسؤولية للقوات الجوية السورية. توقفت هذه الآلية في 2017 بعد فيتو روسي، لتُستأنف المهام عبر “فريق التحقيق والتحديد (IIT)” الذي تأسس عام 2018، وأكد في تقرير صدر في يناير 2023 استخدام غاز الكلور في دوما عام 2018 من قبل القوات السورية.

*قانون حظر ومكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الأميركي لعام 1991 (CBW Act)*

تم إقرار هذا القانون في الولايات المتحدة عام 1991، عقب استخدام العراق للأسلحة الكيميائية خلال حربه مع إيران. ويمنح الحكومة الأميركية، ممثلة بوزارة الخارجية، صلاحيات *أحادية* لفرض عقوبات تلقائية على أي دولة يُشتبه في استخدامها أسلحة كيميائية أو بيولوجية، سواء ضد أطراف خارجية أو شعبها، في خرق للقانون الدولي.
وتشمل هذه العقوبات: تعليق المساعدات غير الإنسانية، حظر صادرات الأسلحة، وقف التمويلات والاستثمارات، تقييد الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، حظر واردات معينة، تجميد الأصول المالية، وفرض تدابير إضافية إذا لم تُتخذ “خطوات تصحيحية” خلال 90 يومًا.

من المهم الإشارة إلى أن واشنطن فعّلت هذا الإطار التشريعي المحلي (CBW Act 1991) دون طلب تحقيق رسمي من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، الجهة الدولية المختصة بموجب الاتفاقية متعددة الأطراف. هذا التجاوز للآليات الدولية يُضعف شرعية القرار الأميركي، ويعكس الطابع الأحادي لتوظيف القانون كأداة جيوسياسية لا كإجراء نزيه يسعى لإثبات الحقيقة.

*ما وراء الاتهام الأمريكي للسودان: عقوبة سياسية بثوب قانوني*

في 22 مايو 2025، وجّهت واشنطن اتهامًا للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، وأعلنت أن العقوبات المرتبطة به ستدخل حيّز التنفيذ في 6 يونيو من العام نفسه، دون نشر أي معلومات رسمية حول آلية التحقق، أو نوع الأدلة، أو حتى موقع الحادثة. واقتصر الاستناد على تقرير صحفي في The New York Times، نُشر في 16 يناير 2025، زعم أن الجيش السوداني استخدم الأسلحة الكيميائية مرتين خلال عام 2024، دون أي دعم من تقارير فنية أو نتائج تحقيق مستقلة. كما لم تُصدر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أي بيان يؤيد هذه المزاعم.

وفي ظل هذا الغياب التام للشفافية والمراجعة الدولية، بدا الإجراء الأميركي فعلًا سياسيًا صرفًا — تكتيكيًا في توقيته، وهيكليًا في غايته. غياب الشفافية في هذا السياق يعيد إلى الأذهان سوابق مشابهة: قصف مصنع الشفاء في الخرطوم عام 1998 بذريعة إنتاج مواد محظورة، وخطاب كولن باول أمام مجلس الأمن عام 2003، الذي برّر غزو العراق استنادًا إلى مزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل، تبيّن لاحقًا أنها بلا أساس.

*وختامًا،* أمام هذا التراكم التاريخي من العقوبات والاتهامات، يتبيّن أن ما تواجهه السودان لم يكن يومًا مسارًا قانونيًا نزيهًا، بل هندسة جيوسياسية مُحكمة تستدعي القانون حين تشاء، وتتجاوزه حين يعارض مصالحها. وإذا كان الجزء الأول قد استعرض البنية القانونية المشوهة لمسار العقوبات وفكّك بنية العقوبات كأداة خنق سياسي، فإن الجزء الثاني يُسلّط الضوء على البعد الأعمق: كيف تُستدعى العقوبات لحماية منظومة الهيمنة، وكيف يُعاد تشكيل مفهوم السيادة في زمن تُكافأ فيه التبعية وتُجرّم فيه المقاومة.
*يتبع…*
bitalmakki@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top